ذكريات للبيع..!

عدنان فرزات

نشر في: آخر تحديث:

لا شيء أصعب من أن تنسى ذكرياتك، سوى أن تبيع ذكرياتك.

يحصل هذا غالباً للمشاهير الذين تنحسر الأضواء عنهم في آخر حياتهم ممن يتعرضون إلى الإفلاس أو الإهمال أو لظروف خاصة لا نعرفها.

والحالة الأخيرة التي لا نعرفها هي التي حصلت مع لاعب كرة القدم البرازيلي بيليه، وفق ما ذكرت الـ BBC.

وأجدني هنا أتقمص دور المعلقين الرياضيين، وأتمنى ألا يعترض عليّ الزميل جاسم أشكناني لقلة خبرتي الرياضية، فاللاعب بيليه كان يعزف مقطوعات كروية، ولوحات فنية بقدمه في الملعب، ويرسم ابتسامة بحجم قوس قزح حتى على شفاه خصوم فريقه. فمن المحزن أن يقف بيليه اليوم في مزاد بعد كل هذه السنوات من الدهشة الرياضية والمجد، لـ «يدلل» على مقتنياته التي حصل عليها كهدايا خلال سنوات عمره.

وتتساءل المحطة التي بثت الخبر: «هل يبيع بيليه مقتنياته لأسباب صحية؟ أم أن هناك أسباباً شخصية لا يعلمها إلا بيليه نفسه؟.. وعلى أغلب الظن ليست هناك أسباب شخصية غير العوز والفاقة التي تدفع شخصاً في الخامسة والسبعين من عمره إلى أن يبيع ثروته من الذكريات.. ولو لم يكن ذلك، لكان الآن بيليه في هذه المرحلة من العمر جالساً أمام كرسي هزاز يتأرجح عليه بطمأنينة، وأمامه خزانة مقتنياته يتأملها بشعور مزيج هو من الشجن والفخر.

بكل الأحوال، فهذه ليست مسؤولية الحكومة البرازيلية وحدها، بل هي مسؤولية العالم أجمع، لأن بيليه كان شخصية كونية، فالجميع استمتع بأدائه، وطار من على كرسيه وهو يشاهد الأهداف العجيبة، وبالتالي فالجميع اليوم مطالب بالتألم لآلامه، أم أننا نكون مع الناس في السراء فقط وندير لهم ظهورنا في الضراء؟!

هذا الموقف المحزن يتعرض إليه معظم المشاهير في العالم، ومن دون ذكر الأسماء، فهناك العديد من المشاهير الذين انتهى بهم المطاف للتسول أو للعيش تحت الصدقات والهبات، وبعضهم تعطف عليهم المحسنون بإسكانهم في غرف مستشفى أو حتى غرف فنادق، وبعضهم وجدوه يستجدي أمام مسجد، ومعظمهم إما أنه أسعد الناس أو أمتعهم بأدائه يوماً ما.

المسؤولية تقع بالدرجة الأولى على الأثرياء المهتمين بالرياضة، فعسى أن يقرأوا خبر المزاد وينتخوا لمساعدة هذا النجم الذي لم يأفل حتى بعد مرور عشرات السنين على اعتزاله. ولو كنت أحد هؤلاء الأثرياء، لاتصلت باديسون أرانتيس دو ناسيمنتو، وهو الاسم الحقيقي لبيليه، وسألته إن كان حقاً يحتاج إلى هذه الأموال، أم انه ملّ من التفرج على الذكريات، وبالمرة أحوّل مبلغاً للاجئين والنازحين في شهر رمضان المبارك.

* نقلا عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.