رمضان موسم البركات

شوقي علام

نشر في: آخر تحديث:

يطلق شهر رمضان على الشهر التاسع من أشهر التقويم الهجرى الذى يفتتح العام فيه بشهر المحرم وينتهى بشهر ذى الحجة، وهو شهرٌ ميَّزه اللهُ تعالى عن باقى شهور السنة، واختصه بفضائل كثيرة لا توجد فى غيره من الشهور، ليكون محلًّا للسبق والتنافس ونيل أعلى الرتب والدرجات، وتدارك الفائت من الأعمال الصالحات.

وقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يتعبد قبل بعثته الليالى ذوات العدد من شهر رمضان فى غار حراء فى جبل النور على نحو ميلين من مكة المكرمة، انقطاعًا عن شواغل الناس وصوارف الحياة، موجِّها وجهه وقلبه إلى الله رب العالمين.

وتكرر تعبده صلى الله عليه وسلم فى هذا المكان وفى هذا الشهر حتى نزل عليه الوحى يوم الاثنين لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان، وقيل فى الرابع والعشرين أو السابع والعشرين منه، فكان ابتداء نزول القرآن العظيم على قلبه عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ» [البقرة: 185]. وكفى هذا الشهر شرفا أن تنزل فيه القرآن، فدل ذلك على فضل أوقاته؛ فالقرآن الكريم كتاب هداية للخلق كافة فناسب وقت نزوله وقت تطهير النفوس والتخلص من الآفات المعنوية والحسية والتحلى بمعانى الإخلاص والإيمان والتقوى.

ولقد أودع الله تعالى فى هذا الشهر من الخير والبركة ما لا يمكن حصره ووصفه، فهو موسم الطاعات وشهر الخيرات ومحل الفضل العميم، فعن أبى مسعود الغفاري، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذات يوم وقد أهل رمضان، فقال: «لو يعلم العباد ما رمضان لتمنت أمتى أن يكون السنة كلها».

ولا ريب فإن الأمة المحمدية تنفرد فيه بخمس خصائص لم تسبقها بهن أمة من الأمم الماضية، فعن جابر بن عبد الله رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم، قال: «أعطيت أمتى فى شهر رمضان خمسا لم يعطهن نبى قبلي. أما واحدة: فإنه إذا كان أول ليلة من شهر رمضان نظر الله عز وجل إليهم، ومن نظر الله إليه لم يعذبه أبدًا.

وأما الثانية: فإن خلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك. وأما الثالثة: فإن الملائكة تستغفر لهم فى كل يوم وليلة. وأما الرابعة: فإن الله عز وجل يأمر جنته فيقول لها: استعدى وتزينى لعبادى أوشك أن يستريحوا من تعب الدنيا إلى دارى وكرامتي. وأما الخامسة: فإنه إذا كان آخر ليلة غفر لهم جميعًا. فقال رجل من القوم: أهى ليلة القدر؟ فقال: لا، ألم تر إلى العمال يعملون فإذا فرغوا من أعمالهم وفوا أجورهم».

واختصاص هذا الشهر الفضيل بفرض الصيام فيه دلالة على شرف زمانه وشرف العبادة المختصة به؛ فإن عبادة الصوم مضاعفة فى نفسها بالنسبة إلى سائر الأعمال؛ حيث إن الله تعالى قد جعل جزاء الصائمين خاصًّا به من سائر الأعمال، فعن أبى هريرة رضى الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لى وأنا أجزى به». ذلك لأن الصوم عبادة تحمل حكمًا عظيمة لكبح متطلبات النفس البشرية، والتحلى بمقتضيات الصبر، ولم تكن هذه العبادة يومًا صورة من صور المشقة والتعذيب والإرهاق للنفوس والأجساد، بل هى تزكية للنفوس حتى تتحقق بمقام التقوى والمراقبة لله تعالى وهجر ما نهى الله عنه.

وقد ورد فى فضل الصوم وجزاء الصائمين نصوص كثيرة، منها: ما رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الصوم جنة، وللصائم فرحتان: فرحة حين يفطر، وفرحة حين يلقى ربه». وكما اختص الله عز وجل نهار رمضان بهذه الفضائل فقد ميز لياليه كلها بكثرة الصِّلاتِ والمنح الإلهية، ‏ وما نشرناه من الفضائل والخيرات يُعَدُّ نذرًا يسيرًا مما اختص الله تعالى هذا الشهر الكريم من الفضل والرحمة، وهى ترشد المسلمين إلى أن شهر رمضان يمثل فرصة كبيرة للإنابة إلى الله تعالى، ومجاهدة النفس والارتقاء بها، وكف الجوارح والقلوب عن كل ما يغضب الله تعالى، حتى يحصل التحقق بمعانى التقوى التى هى ثمرة من ثمار الصيام؛ فهيا بنا نطرق أبواب الخير فى العطايا؛ عسى أن ندخل إلى ذلك الموسم الربانى بنفوس صادقة؛ وأيد ضارعة؛ وأعمال متقنة؛ فننال أكثر مما تتخيله عقولنا من فضل ربنا. وكل عام ومصر بخير وازدهار وسائر بلاد العرب والمسلمين.

* نقلا عن "الأهرام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.