لا تنظر خلفك فى غضب!

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

لا أدرى شخصيًا إلى أى حد كان الغضب سببًا فى قيام «قابيل» بقتل أخيه «هابيل» فى السنوات الأولى من بدء الخليقة حينما كانت الحياة والدنيا لاتزال عند بكارتها الأولى. وبنفس الدرجة لا أعرف ما الذى جعل الخلاف بين الكابتن شوبير مع الكابتن الطيب (معذرة إذا كنت لا أعرف هل هو حقا كابتن أم لا، ولكن كل من يذيعون مباريات كرة القدم لابد وأنهم من الكباتن بشكل أو آخر، وفى الأيام الأخيرة أصبحت كلمة «الكابيتانو» ذائعة) يصل إلى هذه الحالة من الغضب التى طالت الزميل وائل الإبراشى بطريقة أو بأخرى، بينما يحاول تحرّى حالة الغضب السابقة فى العاشرة مساء. ولمن لا يعرف فإن مؤلفًا مسرحيًّا إنجليزيًّا- «جون أسبورن»- ألّف مسرحية عام ١٩٥٦ باسم «انظر خلفك فى غضب»، وأصبحت فيلما بطولة ريتشارد بيرتون فى عام ١٩٥٩.
المسرحية والفيلم حملا درجة من الواقعية التى تولد الغضب ليس من الماضى وحده وإنما من الحاضر، وهو الأكثر أهمية، أما المستقبل فقد ذهب إلى غير رجعة. المهم أن المسرحية والفيلم ولّدا، أو هكذا قيل، ما بات معروفا بغضب الستينيات من القرن الماضى، والذى قيل أيضا إنه كان السبب فى كل الثورات التى نسمع عنها الآن من الحقوق المدنية إلى الجنسية إلى التكنولوجية، وهكذا غضب وثورة. وربما كان ذلك سببًا فى أن جماعة «الروك» الموسيقية «الواحة»، والإنجليزية أيضا، أصدرت واحدة من أشهر أغانيها تحت عنوان «لا تنظر خلفك فى غضب». هل كان ذلك دعوة موسيقية للتسامح مع الماضى؟ ربما!.

هل كان ما جرى فى قرية الكرم (نعم الكرم بمعنى القدرة على العطاء والمنح والإغاثة والتسامح من كرم النفس) بمحافظة المنيا إلا تعبيرا عن حزمة هائلة من الغضب، الذى طبقا لما نقله الرواة، بدأ كما لو كان خلافا على «بيزنس» بين شركاء فى محل للأدوات الكهربائية، ثم مرّ كما يحدث فى المسرحيات بحالة درامية اشتعلت فيها علاقات جنسية بين مسيحى متزوج مع امرأة مسلمة، لكى تصل الأحداث إلى الذروة عندما يتحرّك أهالى القرية كلها طلبًا للثأر فتشتعل النار فى البيوت وتجرى تعرية سيدة الدار فى الشوارع، فنصل إلى مشهد النهاية بعد إعلان الجميع أنه لا علاقات جنسية كانت، ولا حتى شهد أحد من الوزير إلى الخفير بحدوث تعرية. الدهشة من العبث من المؤكد غير مجدية، ولكن المؤكد أنه كانت هناك حزمة هائلة من الغضب الجاهز للانفجار، وكما يبدو أنه ليس فقط شائعًا فى قرية الكرم غير الحاتمى، وإنما فى مصر كلها.

الغضب فى العموم حالة نفسية ذائعة بين البشر، وهى فى الشائع حالة سلبية تغيّب العقل وتجعل الفرد، وأيضًا الجماعة والأمة، يفقدون رشد الإدراك للأحوال فى حاضرها، ومعها التحسب لما سوف يترتب من نتائج على التصرفات غير العاقلة.

أحيانا يحاول الأدب والفكر أن يعطى الغضب بعدًا إيجابيًا حينما يغضب الإنسان على واقعه، أو لا يرضى عن ماضيه، فيتولّد فيه من الطاقات ما يجعله يتجاوز ما لا يرضى عنه. ولكن ذلك يجرى فقط «أحيانًا»، والغالب، خاصة حينما يصير الغضب ثورة، فإن الرغبة فى تجاوز واقع مُرّ تنتهى إلى رغبات ثأرية، وأحقاد لا تنطفئ، وفى حالات ينقلب الوضع إلى أتون مستعر لفترة طويلة لأنه يغذى نفسه بنفسه تماما مثل المفاعلات الذرية. هل تجب الذكرى عن أوضاع سوريا والعراق ولبنان واليمن وليبيا والسودان والصومال حينما بدأ كل شىء بالغضب، وانتهى إلى غضب دائم مفعم بالتعصب، وموتى كثر، ونزيف دماء، ونار ودخان لا يتوقف؟

دائما نعتقد، ولنا حق، أن الأحوال فى المحروسة مختلفة، وهى كذلك ذات طبيعة خاصة، والأغلب أنها أفلتت من النتائج المؤلمة للربيع العربى، ولكن كيف نفسر لماذا كلما انفرجت الأزمة بين الدولة والصحفيين فإنها تعود للاشتعال مرة أخرى؟ وما هى هذه الحالة من الغضب التى تحل لحظة أن يقوم رئيس الجمهورية بافتتاح مشروعات كبيرة فى ربوع البلاد، أن يقع نقيب الصحفيين ورفاقه رهن الاحتجاز؟ وهل هى حالة من الغضب الذى يُفضى إلى غياب الحصافة السياسية إلى الدرجة التى يتم فيها اغتيال الإنجازات الكبيرة من السجل العام والملاحظة الدولية؟ التفكير فى الموضوع من الصعوبة بمكان، بينما الغضب ذائع وشائع إلى هذه الدرجة، وهل المسألة حقًا صدام بين الإعلام والدولة، وكلاهما مع وسائل التواصل الاجتماعى. ويا ترى علامَ يكون الصدام إذا كان الوفاق والاتفاق قائمين بين الجميع على فكر المؤامرة، والعداء للغرب والعالم، وإدارة الفقر بدلا من إدارة الثروة، واللعنة على عالم لا يعطينا كل شىء نطلبه دون أن يطلب المقابل!. ولكن العقلانية لا محل لها فى حالة الغضب حينما تنتصر الغرائز على كل شىء آخر، وتبدو الانتصارات الصغيرة كما لو كانت نصرًا كبيرًا. اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا!.

*نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.