لماذا تتسلح مصر؟

محمد أبو الفضل

نشر في: آخر تحديث:

الصفقات التي عقدتها مصر مع دول من الشرق والغرب بشأن شـراء أنواع مختلفة من المعدات العسكرية المتطورة مؤخرا، طرحت مجموعة كبيرة من الأسئلة، دار معظمها حول أسباب السباق للتسلح بتكنولوجيا متطورة، وكميات متنوعة، في وقت تعاني فيه الدولة من أزمات اقتصادية طاحنة.
الأنواع التي جرى استيرادها بالفعل، أو تم التعاقد عليها، تكلف الخزينة المصرية مبالغ طائلة، وهو ما جعل البعض يوجه للنظام المصري الحاكم انتقادات حادة، لأن هناك من اعتبر الهموم الاقتصادية والاجتماعية وتخفيف المعاناة عن الشريحة الواسعة من الفقراء، مقدمة على التزود بكميات مختلفة من الأسلحة.

في هذا السياق، جرت مياه كثيرة، تداخلت فيها الخيوط الحقيقية مع الزائفة، فمن تعرضوا لهذه المسألة منهم من قصد النصيحة الدقيقة، وعدد كبير حملوا في أنفسهم أغراضا دفينة، واتخذوا من عملية التسلح مطية للوصول إلى أهداف سياسية، مثل الضغط على النظام، ومحاولة تأليب الشارع ضده، وتصويره في شكل من ينفق ببذخ على معدات عسكرية باهظة، ليس هناك ضرورة لاستخدامها فعليا، بزعم تراجع التهديدات الخارجية.

بعيدا عن الأهداف المعلنة والخفية لمن توقفوا عند عملية التسلح الجارية، فإن الصفقات التي عقدتها مصر خلال العامين الماضيين مثيرة للاهتمام، لأنها شملت أسلحة ومعدات متقدمة، بعد فترة طويلة من العقم، كما أن شعار التعددية الذي اتسمت به، سواء في مصادر السلاح وتمويله أو حتى الأهداف التي سوف يستخدم فيها، فهي تحافظ على استمرار جاهزية المؤسسة العسكرية المصرية، في ظل ما تجابهه من تحديات مترامية.

الفراغ الإقليمي الحاصل الآن، جراء الصراعات التي تدور في أماكن متباينة بالمنطقة، فرض على مصر أن تكون لديها مؤسسة عسكرية متطورة، خاصة أنها واجهت صعوبات حرجة في الأعوام الماضية، وكادت أن تتعرض إلى اعتداءات من قبل دول، ناهيك عن الاشتباكات التي تدور في سيناء، وتقوم بها جماعات إرهابية امتلكت أسلحة متطورة.

فكرة امتلاك كميات كبيرة من الأسلحة، حاملتي طائرات من فرنسا، ودبابات وطائرات نوعية من الولايات المتحدة، وصواريخ متقـدمة من روسيا والصين، وسفن حربية من ألمانيا، ربما يعتبرها البعض أكبر من طاقـة مصر المادية، لكن هناك من يرى أنها حتمية، إذا أرادت القاهرة أن تسترد عافيتها الإقليمية، وردع القوى التي تسعى للاستفادة من الفراغ الراهن في المنطقة.

الصراعات والنزاعات التي تموج بها المنطقة أيضا، لا تمثل تهديدا لمصر بمفردها، لكن أيضا تمثل خطرا على بعض الدول العربية، التي تعد في صميم أولويات الأمن القومي المصري.

إذا كان الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، أكد أكثر من مرة أن الأمن القومي العربي، تحديدا الخليجي، خط أحمر، فإن ذلك يستلزم امتلاك أدوات القوة اللازمة للدفاع عنه، ولعل التزود بكميات نوعية من الأسلحة يدخل في مقدمة الوسائل الضرورية لتحقيق هذا الهدف، لا سيما أن ثمة دولا إقليمية لديها طموحات وأطماع في الاستحواذ والسيطرة على مفاصل الأمن في المنطقة.

زيادة وتيرة التسلح المصري، قد ينظر إليها البعض على أنها إحدى وسائل الردع في عالم يموج الآن بالأزمات، وامتلاك القدرة الكافية من الممكن أن يحجم طموحات البعض، ويجعل آخرين يفكرون ألف مرة قبل الإقدام على خطوة تمثل اعتداء مباشرا أو غير مباشر على مناطق تدخل ضمن نطاق الأمن القومي المصري، لأنهم على يقين أن الرد سيكون سريعا.

الطريقة التي يتم بها التعامل المصري مع الصفقات العسكرية، وأسس الترويج لها، ناهيك عن الحرص على التعدد والتنوع، كلها عوامل تشي بأنها تحمل أهدافا كبيرة، تتجاوز البعد الردعي، أو حتى الاستعداد للانخراط في حروب مستقبلية، بحكم طبيعة الأعداء الحاليين والمحتملين، ويمكن رصد ثلاثة محددات رئيسية تساعد على فهم وتفسير وإصرار القيادة المصرية على التسلح.

الأول، المحدد المحلي، فمع أنـه معروف منذ زمن أن الجيش المصري، من أهم الجيوش في المنطقة، غير أن قدرته التسليحية كانت بحاجة إلى المزيد من الأسلحة والمعدات الحديثة، بعد أن تبين ارتفاع أعداد الخصوم، بصورة تتجاوز الأبعاد التقليدية.

كما أن التمادي في الجاهزية، قصدت منه زيادة الروح المعنوية لدى الجندي المصري، وأنه لا يقل عن أي جندي في الجيوش العالمية، وفي وقت لعبت فيه المؤسسة العسكرية المصرية دورا داخليا أساسيا، كان مطلوبا الإيحاء بأنها لم ولن تتجاهل الجبهات الخارجية، والمشاركة المدنية التي تتم في بعض القطاعات لا تعني التهاون أو التفريط في الدور الذي من الواجب أن تقوم به، وهو حماية الوطن، وردع القوى التي تسول لها نفسها التفكير في الاعتداء على مصر.

الثاني، هو المحدد السياسي، حيث تكشف خارطة الصفقات التي تمت، أن القاهرة لديها رغبة عارمة في عدم الارتهان لدولة بعينها، الأمر الذي ينطوي أيضا على إشارة تؤكد الانفتاح على الجميع، في الشرق والغرب، والاستعداد للتعاطي مع دول مختلفة، فضلا عن أن شراء بعض الأسلحة والمعدات يصب في خانة الترويج لها على المستـوى الإقليمي، ما يعزز المرامي السياسيـة والاقتصادية إلى جانب العسكرية.

الثالث، هو المحدد الاستراتيجي، فإذا كانت مصر محاطة بتحديات صعبة، فهي لديها مشاكل يمكن أن تتطور إلى حروب، تستوجب امتلاك أسلحة متطورة، قد تكون هناك حاجة إلى استخدامها، كما أن قيادتها تدرك أن من استهدفوها في الماضي، لن يستسلموا بسهولة لفشل مخططاتهم، وربما يضطرون إلى اللجوء لخلق أزمات أو تهيئة الأجواء لمناوشات عسكرية غير مباشرة، في هـذه الحالة مـن الضروري امتلاك درجة عالية من الجاهزية، وسد الفراغ الذي تركه خروج سوريا من معادلة الصراع مع إسرائيل.

معروف أن أي دولة تطمح إلى التأثير في الفضاء الإقليمي، لا بد وأن تمتلك جيشا قويا، ومصر يصعب أن تتخلى عن دورها التاريخي، لذلك تبدو لعملية تسلحها أهداف استراتيجية، بما يتجاوز فكرة البذخ أو استعراض العضلات العسكرية.

*نقلاً عن "العرب"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.