السَمَكُ الوحشي في بحيرة الأبيض المتوسط

جهاد الزين

نشر في: آخر تحديث:

منذ زمن طويل لم يأكل سَمَكُ البحيرة التي تُدعى البحر الأبيض المتوسط هذه الكمية من اللحوم البشرية. فهل بات سمك البحر الأبيض المتوسط يأكلنا أكثر مما نأكله أو يكاد؟

رغم أن هذه البحيرة ذات تاريخ حربي كثيف ومتواصل منذ العهد اليوناني السحيق، ربما تكون موجات غرق المهاجرين الجماعية التي تشهدها هذه البحيرة هي أكبر أو من أكبر ما مر عليها في تاريخها الحافل بالغزوات البحرية.
هذه المرة معظم "الغزاة" الحالمين بحياة أفضل هم من حوض هذا البحر الآسيوي والإفريقي وقليلون هم الغرقى الآتون من مناطق بعيدة عنه. كل هذا الفرق صنعته أساسا المجزرة السورية وبعدها الليبية.
تَلْتَهمُ أسماكُ البحر الأبيض المتوسط جثثَ الناجين من البلدان المنهارة سوريا والعراق وأفغانستان وليبيا أو البلدان اليائسة في عمق القارة...
لكن بين الشواطئ السوري واليوناني والتركي والمالطي والإيطالي تحصل منذ حوالي ثلاث سنوات مقتلةٌ لا يصنعها الأبطال والعشاق والآلهة كما في الأساطير وربما تاريخ الجزر اليونانية وإنما بشرٌ عاديون نساءً ورجالاً وأطفالاً تديرهم مافيات ودول ومصالح كبرى.
من كثرة الغرقى بل كتل الغرقى أمام الجزر اليونانية الإيطالية التي يمتد بينها هذا البحر لم نعد نأْمَن أكلَ السمكِ المتوسطي الذي ربما بات الكثير من أسماكه أكلة لحوم بشرية.
لا تلتهم أسماك المتوسط إذن فقط أجساد كتلٍ من شعوبنا المنكوبة بل أيضا تلتهم معهم أجزاء من مدارسنا وجامعاتنا ومؤسساتنا واقتصاداتنا... هذا غير نفاياتنا المهرّبة من مدننا وجبالنا.
كل بضعة أيام يأتينا خبر غرق عشرات أو مئات حتى باتت الأرقام كارثية.
لا بلوى أعلى من هذه البلوى: كأن البحيرة المتوسطية تشهد نهاية رهيبة لتاريخ العالم الاسلامي أو إحدى نهاياته. النهاية البحرية للتاريخ الساعي لتاريخٍ برّي جديد: مشهد لا مثيل له.
في كتاب عن الهجرة اللبنانية بإشراف ألبرت حوراني ومساعدةِ تلميذه الصديق نديم شحاده ينقل الباحث التركي إنجين أكارلي شهادة القنصل العثماني في برشلونة يوسف بيك أواخر القرن التاسع عشر تصف المهاجرين اللبنانيين إلى أميركا، أبناء دولته، يتسولون في شوارع برشلونة ومرسيليا وهافر ومدن أخرى فرنسية وأسبانية في صيف 1889، حتى أن بعضهم لزيادة ما يحصلون عليه من شفقة وعطاءات كانوا مسيحيين يدّعون، حسب تقرير يوسف بيك، أنهم مسلمون غيروا دينهم إلى الكاثوليكية.(ص111- منشورات مركز الدراسات اللبنانية في أوكسفورد- 1992).
لكل هجرة، وهي اليوم تشبه الفرار الجماعي، بل هي الفرار بكل المعاني، أساليبها في الغش حين لا يكون أمام هؤلاء المعذَبين المنكوبين في بلدانهم سوى الهجرة غير الشرعية ومنهم لبنانيون، لضمان التعاطف، يزوِّرون جوازات سفر سورية ويحملونها معهم في البحر على أمل أن تُفتح لهم أبواب أوروبا الغربية إذا وصلوا إلى البر البلقاني.
الحرب السورية الحالية أضافت مشهدا جديدا أكثر قسوةً دهرية: الموت الجماعي غرقا بين الجزر الجميلة التي كانت ولا تزال مقصد سواح العالم وسيذكرها التاريخ السياسي الأوروبي الجديد أنها الجزر ذات المياه القاتلة. هي بريٍئة ولكن مياهها تمتلئ بسمكٍ من الصعب، كلعبة الأمم في سوريا، أن لا يكون قد أصبح بعضه وحشيا من كثرة ماتغذّى بلحوم الأطفال.
كل تاريخنا يغرق في البحر الأبيض المتوسط وفي أمكنته الأكثر رومنطيقية سابقا التي تتحول إلى مسرح مائي لفيلم رعب طويل وحقيقي.

* نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.