كنعان مكيَّة.. طلب الحق فأخطأه

رشيد الخيون

نشر في: آخر تحديث:

كان الجميع يفكر بطريقة ما لإزالة صدام حسين (أعدم 2006)، فلم يعد أهلاً للحكم، لوقف ما عانى منه الشعب العراقي من حصار مدمر، لم يبقِ حتى على قلم الرصاص، ولكم تخيل الانحدار الحضاري عندما يحسب قلم الرصاص من مواد تصنيع أسلحة الدمار الشامل. جريمة اشترك فيها العالم عبر منظمته الأممية، لم يفصح عن تبعاتها بعد، وفي المقابل كانت المعارضة تشدد عليه، على اعتقاد موغل في الأنانية، وها هي النوايا تكشف عن الوقائع، فالاشتراك بتأييد الحصار ثم الغزو أسفرا عما حصل. فلا خطة إعمار ولا صحوة ضمير. كان التفكير بالتغيير حتى داخل البعثيين أنفسهم، وعائلة رئيس النظام نفسه، فحسين كامل (قُتل 1996) زوج ابنة الرئيس حاول بطريقته أيضاً.

كان كنعان مكية، المهندس المعماري والأكاديمي العراقي، لا يرى التغيير إلا بقوة لا يقهرها النظام، داخلاً في مشروع التغيير عبر الأميركان الذين سدوا باب التعاون مع أي أسلوب سوى الغزو، أغراه مشهد أحمد الجلبي (ت 2015) متصفحاً كتاب إعادة إعمار ألمانيا بعد النازية، ومنها نسجت العلاقة بين الحالم بعراق كاليابان أو ألمانيا وسياسي عشعشت في رأسه مصالح شتى، حتى مات كمداً لفرط الإهمال من قِبل الذين صدوا عن أميركا لمصلحة إيران، التي نزلت بجبروتها السياسي والعسكري عبر الميليشيات، فظهر المالكي بمظهر المحرر عندما حان انسحاب الجيش الأميركي، متناسياً فضل الأخير عليه، وعلى الثلاثة عشر الذين وصفتهم الرواية بـ«العصابة».

لكن الصدمة التي صُدم بها مكية أن يسمع، ممن ساروا في ركاب الغزو حتى دخول بغداد، عبارة مخاتلة هزت ثقته بزملائه المحمولين على الدبابات الأميركية: «الآن نبدأ بشتم أميركا»! ويراه مسرعاً لتأسيس «البيت الشيعي»، عصابة الثلاثة عشر في مجلس الحكم. هنا أصاب كنعان الذهول، وهو البعيد عن فن المخاتلة.

تبدأ رواية «الفتنة» مِن مشهدين: قتل مجيد الخوئي (2003) نجل المرجع الشيعي، بعد يوم من سقوط بغداد، وبخناجر أصحاب عمائم، وتستر الثلاثة عشر في مجلس الحكم على الجريمة، ويكون هذا المشهد محور الرواية، ثم إعدام صدام، الذي تشير إليه الرواية بالطاغية، في مشهد طائفي مخزٍ، ثم البدء بتفكيك العراق. ترجم مكية روايته إلى العربية بنفسه، بمساعدة محرر، فكتاباته عادة بالإنجليزية.

صحبتُ والده المعمار محمد مكية (ت 2015) لنحو ربع قرن، وأشرفت على مركزه الثقافي «ديوان الكوفة» لسنوات (1993-2006)، وصداقتي لكنعان طوال تلك الفترة، فأعلم بما كان يفكر به، وهو ليس بالغامض المريب، حتى وصف نفسه في توضيحاته بالسياسي «الساذج». بينما كتبت الأقلام عنه بأنه الماكر الطامع، وكم قرأتُ أكاذيب عن أحداث كنت شاهداً عليها، وعندما يصل الأمر إلى القضاء تبدأ الاعتذارات على صفحات الجرائد.

لا أجد في أكثر ما كتب عنه، وما يخص أعماله «جمهورية الخوف» (1989)، و«القسوة والصمت» (1993)، و«الصخرة» (2001)، وأخيراً «الفتنة» (2016)، غير الغل الشخصي بعيداً عن النقد الجاد. لم يكن صاحب رواية «الفتنة»، أو قصة العراق بعد (2003)، الحقود المنتظر فرصة الانتقام، لذا لم يتأخر عن الاعتذار، مع تلقيه الشماتة ممن يجهلون ثقافة الاعتذار.

يقول مكية شاهراً اعتذاره في توضيحاته لروايته: «شعوري بالذنب تجاه الأحداث المرعبة في العراق بعد 2003، وبالأخص حجم فشل النخبة السياسية التي جاهدتُ في إضفاء الشرعية العالمية عليها طيلة التسعينيات، فرض عليَّ كتابة (الفتنة). هذه الرواية التي تتناول بالدرجة الأولى جذور فشل هذه النخبة في التعامل مع الفرصة التاريخية» (هوامش على كتاب الفتنة).

فاجأ مكية معارضة الأمس باعتذاره، فالسياسة التي يفهما غير التي مورست «اختلاس أموال، والعمل الدؤوب دائماً وراء الكواليس للمصلحة الشخصية» (نفسه). لم يطرأ على بال مكية الانتقام عن طريق الاجتثاث، قائلاً: «يُخجلني أن أكون ممَن دعم فكرة اجتثاث البعث في العراق قبل الحرب، بل وحتى نظّرْت لها، لكن تنظيري اختلف تماماً مع ما طُبق بعد 2003، رفضتُ بالكامل استعمال كلمة اجتثاث. ما حدث في الحقيقة كان اجتثاث السنة، أو تصفية حسابات مع البعثيين» (نفسه)، بتبرير خاطئ بأن الدولة سُنية منذ نشأتها، وما سار عليه كُتاب غربيون، مما فتح الباب لوجود «داعش».

أقتبستُ العنوان من كلمة للإمام علي بن أبي طالب (اغتيل 40هـ)، قالها في أمر الخوارج بعد طعنه من قبلهم: «لا تقاتلوا الخوارج بعدي فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه» (نهج البلاغة). يحق للذين طعنوا باعتذار كاتب «الفتنة»، لأنها ثقافة غريبة على مجتمعاتنا. لستُ ناقداً بما أقوله عن الرّواية لكن لي الرأي كقارئ: شأنها شأن روايات كبرى تناولت حوادث كبرى.

*نقلا عن "الإتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.