عاجل

البث المباشر

عبد المنعم سعيد

كاتب ومفكر مصري

كاتب ومفكر مصري

أهلاً رمضان

لا يوجد شهر من شهور السنة مثل شهر رمضان الذى نبدأه بالأغانى التى ترحب بمقدمه، ثم سرعان ما نغنى أغانىَ أخرى لوداعه. وبشكل ما فإن الشهر له نكهة مصرية خاصة، وعندما قضيت فى بداية التسعينيات من القرن الماضى ثلاثة رمضانات فى دولة قطر امتلأت مدينة الدوحة بالخيم ذات الأسماء مثل خان الخليلى وليالى الحلمية وبين القصرين والسكرية، أسماء لها نكهة القاهرة القديمة ذات التركيبة الفاطمية والأيوبية والخديوية، ولم لا الحديثة أيضا. المذاق المصرى له شخصية، فيها المزيج من الاحتفال، وبعض من الضجيج والازدحام، والتسوق على مدار الساعة، وشخصيات وفوانيس وفنون وتجليات، لا يوجد مثيل لها فى الدول الأخرى. يُقال أحيانا إن شهر ديسمبر من كل عام يشبه شهر رمضان، حيث تجرى احتفالات الكريسماس فى الغرب التى فيها هذا المزيج من الروحانيات اللصيقة للغاية بشؤون الدنيا من غذاء وتسوق وأضواء ومرح. ولكن المشابهة ليست دقيقة فى مجملها لأن شهر رمضان له خصوصياته وإضافاته المصرية، وما ورد على أصوله من أمور كثيرة كلها عجب!.

يوم الاثنين الماضى الموافق الأول من الشهر الكريم كان مانشيت «المصرى اليوم» أن «الغش» يهزم الحكومة فى «موقعة الثانوية»، ومع التفاصيل عرفنا أن تسريب الأسئلة جرى فى مادة اللغة العربية، والأخطر كان فى الدين أيضا. كيف تم هذا فى شهر الصيام، ولمادة التربية الدينية التى تعلم الناس الصدق والأخلاق الحميدة التى جرى انتهاكها فى واقعة أخرى عندما جرى تسريب تمثيليات تليفزيونية إلى شبكات التواصل الاجتماعى، فقيل إن الموسم تعرض لضربة موجعة حتى قبل أن يبدأ؟ مثل ذلك ليس جديداً بالمرة، فغش الثانوية العامة وتسريب الأعمال الفنية باتا من الأمور المعتادة، والتى يتورط فيها الشعب فى مدن وقرى، ولكن حدوث ذلك فى اليوم الأول للتواشيح والابتهالات والصلاة والصوم مثير للدهشة والتأمل.

ولكن عجب كسر الصيام بهذه الطريقة يثير عجباً آخر عن العلاقة بين الصيام والتمثيليات التليفزيونية التى قيل إن هذا العام سوف يشهد مولد ٧٠ تمثيلية تعدت موازناتها أكثر من مليارين ونصف المليار جنيه مصرى. التفسير القائم هو أن الصائمين المحرومين من الطعام والشراب فى احتياج دائم على مدى الشهر إلى نوع من التسالى التى يبدو أن التمثيليات تسدها بشكل جيد لأن القصص فيها ليست مكتملة، ولذا فإنها تثير أشواق الصائمين دائما لما سوف يحدث للأبطال ويفك عقدهم فى اليوم التالى. هى حالة سيكولوجية كبيرة من الفضول والانتظار لما سوف يجرى فى الدراما والتراجيديا والكوميديا والخليط من كل ذلك فى حكايات وقصص عجيبة حتى إنها تذاع عدة مرات فى اليوم الواحد. ولأننى لست من المشاهدين، فإن العجب قائم، والدهشة حاضرة، فكيف يمكن للبشر انتظار اكتمال حلقات، بهذا العدد، خلال فترة زمنية قصيرة، بينما ينتظر أن لديهم واجبات دينية عديدة؟.

ولكن المسألة ليست أن الصائمين يحتاجون ما يسليهم، وإنما أيضا لأن توافقاً وطنياً وعقداً اجتماعياً وسياسياً قد جرى على تخفيض ساعات العمل، ووفقا للإحصائيات المتاحة فى Egypt Business Directory فإن ساعات العمل تنقص فى كل الأعمال بمقدار ساعتين فى المتوسط، أما الإنتاجية للعاملين فإنها تتراجع بما يتراوح ما بين ٣٠٪ و٣٥٪، ومعها تتراجع البورصة لأنها بالإضافة إلى ذلك تعمل ساعة أقل مما هو معتاد فى الشهور الأخرى. ولكن اللغز الكبير فى رمضان هو أن الصيام الذى يعنى الامتناع عن الأكل حتى غروب الشمس لكى يمكن الشعور بمشاعر الفقراء والمحرومين والمساكين، ينتهى إلى شهر يزيد فيه استهلاك الغذاء بدرجة كبيرة. وفى دراسة لمركز المعلومات ودعم القرار فى مجلس الوزراء أن إجمالى استهلاك الأسر المصرية من الغذاء فى العام هو ٢٠٠ مليار جنيه، منها ٣٠ مليار جنيه فى شهر رمضان، وهو ما يعنى زيادة قدرها ٧٠% فى الاستهلاك فى شهر رمضان أكثر من أى شهر آخر. وحتى تواكب الحكومة حاجات الغذاء فإن البنك المركزى خصص ١٢٠ مليون دولار لاستيراد السلع الخاصة بشهر الصيام وهى فى معظمها غذاء الياميش والذى منه!. وكأن كل ذلك الطعام ليس كافيا فى المنازل، فإن الإحصائيات القائمة تشير إلى زيادة تبلغ ٨٠٪ فى المتوسط بين من يرتادون المطاعم والقهاوى، خاصة تلك التى تقدم برامج إضافية للتسلية فوق ما هو متاح من مسلسلات حريفة.

المفارقة واضحة بين ما هو مفترض فى الشهر الكريم من روحانيات وما يجرى فى الواقع من كسل وغذاء وتسلية، ولكن المرجح أن كل ذلك مشفوع بضريبة ما يقدمها المصريون فى أشكال كثيرة من الصدقة والزكاة، حيث يكون الشهر هو أعلى شهور السنة عطفاً على الفقراء. رمضان هو الشهر الذى تجد فيه المنظمات الأهلية تعاطفا كبيرا مع أعمالها، ويصل ما تحصل عليه هيئات مثل مصر الخير وبنك الطعام والأورمان ومستشفى ٥٧٣٥٧ ومجدى يعقوب وغيرها كثير ما يدعم عملها فى شهور العام الباقية. ورمضان كريم وكل عام وأنتم بخير!

* نقلا عن "المصري اليوم"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
رابط مختصر

إعلانات