التجديد الديني عند «أمين الخولي»

عمار علي حسن

نشر في: آخر تحديث:

هناك من أساؤوا فهم التجديد على أنه مجرد إظهار أضابير الكتب والمخطوطات الإسلامية، التي أخرجتها عقول الفقهاء والمفكرين الإسلاميين في الزمن القديم، من دون أي محاولة للاستفادة منها في أحوال معاشنا الراهن، بصورة أو بأخرى، وكأنهم يكتفون بأن يكون إحياء التراث هو عامل استنفار انفعالي فحسب يحفزنا إلى العمل، كالأغاني القومية وموسيقى المناسبات.

لكن الفقيه والمفكر المصري الشيخ أمين الخولي دفع مفهوم التجديد خطوات أوسع بحديثه عن أسس التطور في الإسلام، منطلقاً من أن الرسالة المحمدية الخاتمة بما هي دين ونظام اجتماعي عملي تحمل أسساً للتطور تهيئه لذلك، وتعده لتحقيقه في يسر، ودون مصادمة لشيء من تطور الدنيا حوله نظرياً وعملياً، ليحدد هذه الأسس في:

1- امتداد دعوة الإسلام وحياته رأسياً في الأزمنة، وأفقياً في الأمكنة، لتستهدف شعوباً وقبائل وأجيالاً متعاقبة، وأصحاب ثقافات متنوعة، وأجناساً شتى.

2- اقتصاد دعوة الإسلام في الغيبيات وإجماله لها وتحديده للإيمان بها، ونهيه عن التفكير في دقائقها. وهذا جعل العقيدة الإسلامية تصرف ما توفر لها من طاقة كبيرة إلى التفكير الحر الملائم في كل جديد من خفايا الكون، تعرفه الحياة، ويقدره العلم على مدى الأيام، دون أن تحتاج إلى تفاصيل أو بيانات جزئية، لم تعد تناسب الحياة.

3- بعد تيسيره الحياة الاعتقادية، اقتصر الإسلام في شؤون العبادات على الأمور الكلية والأصول العامة الشاملة، ليفتح الباب أمام اجتهادات حول الصلاة والزكاة والصيام والحج، يتغير بعضها بتغير الأحوال، وهي مسألة ظاهرة في تاريخ الفقه الإسلامي ومحتواه.

4- عدم خوض الإسلام في نصه المؤسس (القرآن الكريم) في تفاصيل حول نشأة الكون والحياة والإنسان وعمر وجوده على الأرض، ومساره ومصيره، وذات الله وصفاته. وهذا لم يجعل الإسلام في مواجهة أبداً مع الاكتشافات العلمية للكون، كما حدث مع أديان أخرى. لكن المسلمين شغلوا أنفسهم بهذه القضايا وبحثوا عما يجيب عن أسئلتهم حولها في الإسرائيليات. ونحتاج في الوقت الحالي إلى التخلص من هذه الدخائل الأجنبية، التي تسربت إلى أحاديث منسوبة إلى الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم، من مرويات الآحاد، وإلى بعض تفاسير القرآن الكريم.

5- عدم الخوض في بعض التفاصيل حول تاريخ الأمم والرسل، التي عرض القرآن أحوالها جملة أو مع بعض التفصيل، بياناً لسنن الاجتماع في حياة الرسل. ومن هنا لا يخشى الإسلام من الرواية المادية للتاريخ التي يقصها علينا العلم عبر علم الحفريات والآثار.

6- جعل الإسلام الاجتهاد أساساً للحياة، بما يفي بحاجاتها المتغيرة والمتقدمة. ومن هنا أقر الفقهاء بأن الحياة لا تخلو من مجتهد، وطلبوا بأن يتوفر للناس في كل عصر من المجتهدين عدد التواتر.

وهذه الأسس الستة جعلت الخولي يدخل بجرأة إلى الحديث عن تطوير التمثل والتأويل لبعض مفاهيم العقائد والعبادات والمعاملات، قاصداً بهذا التطوير طبيعة الخلافات التي نشأت طيلة التاريخ الإسلامي حول هذه الأعمدة الثلاثة. فالخلاف حول العقائد امتد إلى ذات الله وصفاته، وطبيعة القرآن، مخلوقاً أم لا، وتنازع أهل السنة والمعتزلة حول السببية وأفعال العباد. أما العبادات فإن هناك اختلاف المذاهب الفقهية العملية لا يخفى على أحد، وهناك اجتهادات لا تنتهي حول بعض أحكام أركان الإسلام العملية الأربعة، الصلاة والزكاة والصيام والحج، بما يلائم احتياجات الواقع المتغير بلا هوادة. والأمر في المعاملات أهون وأيسر، وتطور العرض فيها واضح عياناً بياناً.

وينتهي الخولي من هذا إلى القول إن: «التجديد الديني هو تطور، والتطور الديني هو نهاية الاجتهاد الحقيقي»، ولكنه لا يعني بالتطور مفارقة أصل الدين، وإيجاد دين جديد، بل يربط التجديد بالعودة إلى الأصل، لأن كل ما دخل على العقائد من جدل، لا ينتهي إلا إذا نحيناه جانباً، ورجعنا لإيمان الفطرة، وتجنبنا الخوض في مسائل الغيب، التي لا يمكن لعقل أن يبلغها، ولا طائل من الاحتراب حولها. أما العبادات فأحكامها وتفاصيلها عرضة لتطور دائم، ويتسع النطاق على المعاملات، وهذا من صميم الإسلام. لكن الخولي في رؤيته هذه يفكك الكثير من التركيبات التراثية المغلقة، بفعل جمود بعض مدارس الفقه، ويشكك في العديد من المسلمات التي ركدت في أذهان المسلمين جراء غلق باب الاجتهاد، أو تضييقه حتى صار مجرد ثقب إبرة.

نقلاً عن الاتحاد

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.