آلو.. سامعني

صلاح الساير

نشر في: آخر تحديث:

لا اختراع يقارب أهمية اختراع الكتابة التي مكنت البشرية من تناقل الخبرات والمعارف وحفظ التاريخ على امتداد الزمان والمكان. بيد أنه بعد اختراع اللاسلكي والهواتف والتلفزيونات ساد اعتقاد أن الاتصالات الصوتية والمرئية أمست تهدد الكتابة، وتبشر بموت الأبجديات، حتى تطورت التكنولوجيا والمخترعات وقدمت الهواتف الصغيرة خدمة تبادل النصوص القصيرة، وبعدها وعبر الشبكة العنكبوتية برز الإيميل للناس الذين عادوا ثانية إلى الكتابة وتبادل المعلومات والمشاعر المكتوبة عبر البريد الالكتروني.


***

قبل ايام شعرت بألم في نهاية فكي الأيمن، وبعد ان قام الطبيب بفحص مكمن العلة تبين ان مصدر الالم شد عضلي جعل من حركة الفك مؤلمة جدا، ولخشية الطبيب من خروج الفك من مكانه في الجمجمة، طلب مني الامتناع عن الكلام لمدة أسبوع (!) كي يفسح المجال للأدوية أن تعيد العضلة إلى عهدها الأول، فسكتُ اياما معدودات ولم أجار طلاب العلم في المعابد الدينية الأسيوية التي تطلب من الراغبين في الانضمام إليها الصمت شهورا عدة لتطهير الروح من لغو الكلم.

***

في فترة الصمت اكتشفت ان الأمر ليس بالصعب، كما أنه ليس بالغريب أو الجديد حين أدركت أنني صامت مذ وقت، كمثل الجميع، وتذكرت ان الهواتف الذكية وتطبيقات الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، عملت على كتم أصواتنا، فبعد ان ولى زمن تبادل الحديث بالمشافهة والكلام عبر الهواتف والصراخ بعبارات مثل (آلو.. سامعني) صار الناس كما الساحر الذي يتحدث من بطنه، يتحدثون بصمت وبشفاه مغلقة بواسطة حروف لوحة المفاتيح وأيقوناتها التي صارت تختصر الكلمات وتعبر عن المشاعر والانفعالات كالبكاء أو الضحك.

*نقلاً عن "الأنباء" الكويتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.