خطيئة التناسي

مروان اسكندر

نشر في: آخر تحديث:

حرب 1967 التي انطلقت شرارتها بقرار اغلاق مضائق تيران في وجه الملاحة الاسرائيلية، الامر الذي كان مناقضًا لقرارات الامم المتحدة، تسببت بأكبر خسارة عربية للأراضي بما في ذلك الجولان، وأكثر من نصف القدس، وسيناء، وربما الاهم من كل ذلك ان هيبة الحكم المصري الذي رأسه في حينه جمال عبد الناصر الزعيم العربي الاوسع شعبية وجاذبية تبخر بين ليلة وضحاها.

القوات المصرية التي كانت اذاعة "صوت العرب" تدعي أنها هزمت فيالق الجيش الاسرائيلي في سيناء وانها دمرت نصف الطيران الحربي الاسرائيلي خلال ثلاثة أيام، كانت بالفعل قد خسرت سيناء، والسيطرة على قناة السويس، ولم يبق من سلاح الطيران المصري ما يسمح بتحدي أي سرب اسرائيلي.
العرب خسروا أوسع أجزاء من الاراضي العربية وسلاح الطيران المصري، ونسبة مرتفعة من سلاح الطيران السوري خلال خمسة أيام، وكانت الحاجة كبيرة الى تقديم أسباب مقنعة للفشل المصري، والسوري، ونصف الفشل الاردني لان الجيش الاردني استطاع الحفاظ على جزء من القدس قبل اعلان وقف النار بناء على توسل البلدان العربية نتيجة خسائرها الضخمة.
لماذا كانت هذه الخسارة لمبادرة القوات المصرية والسورية الى شن الحرب على اسرائيل نكسة كبيرة مع ضجيج اعلامي مبني على الكذب والتكاذب؟
التفسير الرسمي للخسارة، وهو تفسير معيب، كان ان القيادة المصرية توقعت الهجوم من الشرق وانها فوجئت حين هاجم الطيران الاسرائيلي مرابض الطيران المصري من الغرب ودمر 90 في المئة منه على الارض، بينما أفقدت اشتباكات الطيارين الإسرائيليين مع سلاح الطيران السوري سوريا عشرات الطائرات في مقابل اصابة عدد بسيط من الطائرات الاسرائيلية.
وقد كتب موشي ديان قائد القوات الاسرائيلية والخبير في الشؤون العربية بعد الحرب الطاحنة التي سميت حرب الأيام الستة، ان هزيمة العرب كانت لانهم لا يقرأون، وان هم ركزوا على قراءة كتاب أو مقال لا يؤمنون بحكمة الكتاب ومعارفهم وتالياً فإن الثقافة المعرفية سطحية لدى العرب.
جذور الحروب المستعرة في سوريا، والعراق، ومن قبل لبنان، تعود استناداً الى كتاب موسوعة وضعه عام 1989 استاذ أميركي للتاريخ اسمه ديفيد فرانكلين وعنوانه يستهوي أي مهتم بقضايا الشرق الاوسط والواقع الاليم اوائل القرن الحادي والعشرين.
القوميون العرب يلقون اللوم على اتفاق سايكس - بيكو الذي وضع فكرته عام 1916 ممثل للحكومة البريطانية وممثل للحكومة الفرنسية وممثل لروسيا ومن ثم نفذت خطوط هذا الاتفاق بعد مؤتمر السلام الذي انعقد عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى بانتصار فرنسا، وبريطانيا وايطاليا، على محور المانيا وتركيا. وكان من الممكن القول إن المحور المنتصر شمل روسيا، لكن ثورة الماركسيين كانت قد اكتسحت القرار الروسي عام 1917 وتالياً حصة روسيا من تقاسم مناطق السيطرة والنفوذ بموجب الاتفاق بين فرنسا وانكلترا ومن ثم الولايات المتحدة التي حاولت قيادتها ادخال مبادئ انسانية وديموقراطية بعد الحرب العالمية الاولى لم تكن من اولويات الانكليز والفرنسيين.
كتاب فرانكلين، وعنوانه The Peace to end all Peace أي السلام الذي يقضي على السلام، يرسم مستقبل منطقة الشرق الاوسط ما بعد الحرب العالمية الاولى – وللذكرى كانت بريطانيا في حينه تسيطر على مساحة توازي ربع الكرة الارضية – ومن هذه مناطق كانت اسميًا قبل تطبيق اتفاق سايكس - بيكو خاضعة للسلطنة العثمانية، مثل مصر والسودان وقبرص.
قرر اللورد كيتشينر حاكم السودان ومصر قبل نشوب الحرب العالمية الاولى ومن ثم وزير الحربية مع بداية الحرب تقسيم منطقة الشرق الاوسط ما بعد الحرب بين بريطانيا وفرنسا وروسيا (المتحالفة في وجه المانيا وتركيا) وعين السر مارك سايكس لوضع تفاصيل فرز مناطق السيطرة العثمانية الى بلدان مختلفة يولى عليها قادة أوصت باختيارهم جيرترود بل العاملة لدى وزارة الخارجية البريطانية والتي زارت مختلف البلدان العربية بصفتها عالمة آثار. وجدير بالذكر ان مارك سايكس الذي عرف المنطقة عن كثب، حينما سئل عن تركيا، أجاب: لا أرى ان هنالك دولة تركية بل مقاطعات لا أكثر.
بعد الحرب العالمية الاولى، أخرجت روسيا الماركسية من معادلة تقاسم اعباء تقسيم المنطقة وتولية أمراء وملوك على اجزاء منها، وفي رأي مؤلف الكتاب ان العام 1922 كان تاريخ اللاعودة عن مشاريع التقسيم، وهو يقول إن الاوروبيين في ذلك الوقت كانوا يعتقدون ان تعايش القومية العربية مع القومية اليهودية ممكن، وكانت فرنسا، لا العرب، العدو الاساسي للصهيونية، ولم تكن أهمية النفط قد اصبحت طاغية، على رغم ان تشرشل كوزير للبحرية كان قد حول البحرية البريطانية من استعمال الفحم الحجري وقوداً الى المشتقات النفطية منذ 1914 مما أعطاها ميزة على البحرية الالمانية.
ويقول المؤلف ان الشرق الاوسط، نتيجة التقسيمات الاعتباطية وتوزيع المناصب، وقيام بلدان ذات حدود غير مؤكدة بدل أوطان، بدأ ينحدر نحو الاقتتال المستمر، بين اسرائيل وجيرانها، والاقتتال بين الاطراف اللبنانيين، وتصاعد عمليات الخطف والتفجير والاقتطاب المذهبي. ويضيف ان التطورات الدولية منذ 1922 تفيد ان منطقة الشرق الاوسط لا بد ان تستمر في مواجهة الحروب بين المذاهب، وبين القوميات، وليس بين دول المنطقة أوطان نهائية.
على كل من يريد ان يدرك استمرار النيران تحت الرماد قراءة كتاب السلام الذي يقضي على السلام الذي انجز بشكل رائع والذي يغطي 576 صفحة، لكن القراءة لن تؤدي الى راحة نفسية، بل الى تساؤل كيف لنا اذا تشربنا الثقافة الغربية، ان ننظر الى ترتيبات وضعها في المقام الاول البريطانيون قبل مائة عام، وهي ترتيبات تؤدي الى استمرار الحروب الصغيرة والكبيرة في المنطقة؟!
***
لننتقل الى كتاب حديث صدر بعنوان Aleppo – The Rise and Fall of Syria's Merchant City، حلب: صعود وانهيار المدينة التجارية السورية، والكاتب هو فيليب مانسيل الذي كتب قبل ثلاث سنوات عن المدن المشرقية الساحلية التي كانت تحقق التعايش بين الاديان والثقافات بين 1920 و1960 وخص منها الاسكندرية، وازمير، وبيروت.
والكتاب الاخير لمانسيل يبين كيف تآكلت حياة حلب الهانئة والناجحة التيارات المذهبية والاقتتال الاثني، ونكتفي بتعريب مقطعين منه. يقول المؤلف: "حلب مثل المدن العثمانية الاخرى كانت مدينة للمسلمين والمسيحيين واليهود. وحيث ان حلب لا تقع على البحر لم تتعرض للحروب بين القوى المسيطرة في المنطقة. وقد ساعدت جغرافية حلب على الحفاظ على اللطف في التعامل والهدوء، وهذه مزايا كان استشعرها الزائر".
أما اليوم، فقد اصبحت جغرافية موقع حلب في رأي المؤلف مثابة اللعنة، ودخلت هذه المدينة المشرقية المشرقة سابقًا دخلت عهد الظلام في تاريخها الطويل، وباتت حروب الاطراف المتصارعين، سواء قوات النظام الظالم، أو القوات الاسلامية تعمم الدمار وتستقطبه كل يوم، ولم يعد هنالك صدى لانغام العود، وتمايل الصبايا، وتناول الكحول. ولحزنه على تحول حلب الى الدمار ينقل مانسيل عن صديق له: "حروب لبنان بين 1975 و1990 كانت بمثابة حفل الخطبة، أما قتال سوريا فهو حفل الزفاف". وهكذا يتوقع المؤلف ان تستمر مآسي سوريا وقتاً طويلاً". وهنا نأتي الى بيت القصيد.
المعنيون بدراسة اوضاع سوريا يعتبرون ان الدمار الذي اصاب مدنها وأهلها لا يمكن تقديره بثمن وان كان دمار الابنية والمؤسسات والبنى التحتية تجاوز الـ250 مليار دولار، وهؤلاء المعنيون يقولون ان استمرار الحرب في سوريا سنة سيضيع فرص اعادة بناء البلد. ولبنان لن يرتاح سياسيًا واقتصاديًا وامنيًا قبل استقرار الاوضاع في سوريا.
لا شك ان في القراءة افادة وان لم تكن متعة دائماً.

*نقلاً عن "النهار" اللبنانية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.