شهر الانتصارات

شوقي علام

نشر في: آخر تحديث:

رمضان شهر الصبر والمصابرة والجهاد والمجاهدة والنصر العظيم للإسلام والمسلمين، فقد سجل التاريخ عبر قرونه المتعاقبة وقوع ملاحم المسلمين وانتصاراتهم فى هذا الشهر المبارك.
ومن أعظم هذه الانتصارات فتح مكة (رمضان 8 هـ/ ديسمبر – يناير 631م)، فهو الفتح المبين والنصر العظيم الذى جسد الانطلاقة العالمية لدعوة الإسلام وشروق شمس الإيمان على العالمين، بل إنه خط فاصلا فى بعض الأحكام الشرعيَّة كالهجرة إلى المدينة المنورة، فقد كانت الهجرة واجبة على كل من آمن قبل الفتح، ثم لا هجرة بعده، فعن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح - فتح مكة -: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا»

كما أن المنفقين والمجاهدين قبل وقوعه أجزل مثوبة على إنفاقهم وأعظم درجة فى جهادهم، قال تعالى: (لَا يَسْتَوِى مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)، [الحديد: 10].

ولقد كان صلح الحُدَيْبِيَة مدخلا مباشرًا فى تحقيق الفتح، بل عَدَّه كثير من العلماء أنه الفتح بعينه، لما حصَّل المسلمون منه من خير وبركة؛ حيث شروق شمس الهداية على قلوب غلف، حتى آمنت بالله ورسوله وانضوت تحت لواء الإسلام، الذى إذا خالطت بشاشته القلوب لا يسخطه أحدٌ!

والملاحظ أن هذا الانتصار لم يأت من قبيل خوارق العادات بل كان فيه التخطيط والتنظيم والتوجيه والمراقبة، مع مراعاة الأخلاق والقيم كالصدق والتواضع والوفاء بالعهد والعفو، والمساواة، وهى أمور تؤكد أمرين:

الأول: أن الحرب فى الإسلام حرب فى غاية النقاء والطهر والسمو، وهذا الأمر واضح تمام الوضوح فى جانبى التنظير والتطبيق فى دين الإسلام وعند المسلمين.

والثاني: ضرورة اتخاذ الأسباب وإعداد العُدة، ففى مدة الصلح حصل تطوير الجيش ورفع كفاءته من حيث العدد والعدة والروح المعنوية، والتحقق من قوة وصلابة الجبهة الداخلية وتماسكها بالتخلص من غدر اليهود وقتئذ، وانتشار الإسلام فى القبائل المحيطة بالمدينة المنورة، ولاحت مظاهر ضعف جبهة الأعداء الداخلية، خاصة المنافقين.

وبذلك يظهر أن فتح مكة نصر مبين وانتصار عظيم للإسلام والمسلمين، يجب أن يستخلص منه الدروس المستفادة التى تؤسس لكيفية مجاهدة النفس، والنظر للمآلات، مع الخبرة والحكمة فى إدارة الأزمات، وبكل ذلك يكون التقدم والرقى والدعوة إلى الله تعالى والوقوف على مقاصد الشرع من الخلق .

*نقلاً عن "الأهرام" المصرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.