لماذا تنجح «داعش»؟

ياسر عبد العزيز

نشر في: آخر تحديث:

فى شهر فبراير الماضى أعلنت شركة «تويتر» إغلاق أكثر من 125 ألف حساب، فى إطار مقاومة «المضمون الإرهابى»، مشيرة إلى أن أغلب هذه الحسابات على علاقة بـ«تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش).

تقول «تويتر» إنها رصدت هذه الحسابات من خلال عملية بحثية منظمة امتدت منذ منتصف العام 2015 إلى مطلع العام الحالى، وهو أمر يشير إلى أن «داعش» تمتلك قدرات استثنائية للعمل على مواقع التواصل الاجتماعى واستخدامها فى أنشطتها الإرهابية.

أوضحت دراسات عديدة حجم المنظومة الإعلامية/ الدعائية التى يستخدمها «داعش»، وتنوع وسائلها، وبات من المعروف أن تلك المنظومة تشكل آلية للدعاية، والاستقطاب، والتجنيد، والاتصال الميدانى، والتعبئة، والتدريب، وإصدار التكليفات، وصولاً إلى تنفيذ العمليات الإرهابية.

يرى بعض المتخصصين فى مكافحة الإرهاب أن العالم خسر المعركة «الإنترنتية» فى مواجهة «داعش»، ويقلل هؤلاء من أهمية الإجراءات التى تتخذها مواقع مثل «تويتر»، معتبرين أن «التنظيم الإرهابى بات متمركزاً بشكل جيد وفعال على شبكة الإنترنت».

إن الاعتراف بخسارة الحرب «الإنترنتية» ضد «داعش» مدخل جيد لتقصى أسباب الإخفاق ومحاولة تجاوزها، لكنه يشير، فى الوقت ذاته، إلى قصور خطير؛ إذ يشى بأن هذا التنظيم قادر على الاستمرار وتحقيق المكاسب فى الميدان الذى يشكل نصف ساحة المعركة، بحسب خبراء عديدين.

يقول الخبيران الدوليان «فيليب سيب»، و«دانا جانبك»، فى كتابهما «الإرهاب العالمى والإعلام الجديد»، إن عدد المواقع الإلكترونية التى تخدم الجماعات الإرهابية فاق 50 ألف موقع، وإن تلك المواقع لا يقتصر دورها على الاستقطاب والتجنيد، ولكنها تقوم أيضاً بالتنسيق الميدانى، والتدريب، وجمع المساعدات المالية، فضلاً عن أنشطة الدعاية.

وفى دراسة بعنوان «القوى الخفية لـ(داعش) فى الإعلام الجديد»، أجرتها جامعة الملك سعود، تحت إشراف الدكتور مطلق المطيرى، أثبت فريق البحث أن النسبة الأكبر من الأعضاء الجدد فى التنظيمات الإرهابية تم تجنيدها عبر شبكة «الإنترنت». ويذهب جيف باردين، الخبير فى قضايا الإرهاب الرقمى، إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إذ يؤكد أنه قام بدراسة الأنشطة الإلكترونية لمجموعات إرهابية على مدى ثمانى سنوات، ليخلص إلى أن «داعش» يجند شهرياً أكثر من 3400 عنصر عبر حملات إلكترونية. ويفسر نيك أوبرايان، الرئيس السابق لوحدة مكافحة الإرهاب فى الشرطة البريطانية، أسباب النجاح الباهر لـ«داعش» فى استخدام وسائل التواصل الاجتماعى، بقوله: «إنها وسيلة تكنولوجية رخيصة الثمن، ويسهل التحكم فيها، سواء من مغارة فى جبال أفغانستان، أو من أى مقهى فى أى مدينة، قرب حاسوب مرتبط بالأقمار الاصطناعية.. فالتغريدة لا تكلف شيئاً». ثمة محاولات أكثر جرأة جرت من أجل تقصى الأساليب التى يستخدمها «داعش» فى اصطياد أعضاء جدد؛ من بينها تلك المحاولة التى قامت بها الصحفية الفرنسية آنا إيريلى، من خلال كتابها المهم: «فى جلد جهادى.. صحفية صغيرة تدخل شبكة التجنيد فى (داعش)»، والصادر عن دار «نيويورك هاربر كولينز»، فى 2015.

فقد انتحلت آنا، كما تقول، شخصية فتاة فرنسية صغيرة تسعى إلى الانضمام لـ«داعش»، وتواصلت إلكترونياً مع من وصفته بأنه «قيادى عسكرى مقرب من البغدادى».

تلخص الصحفية الفرنسية تجربتها بالقول إن القيادى «الداعشى» المفترض بدأ معها بإغراءات الانضمام إلى التنظيم، والعيش كـ«مسلمة حقة فى البلد المسلم الوحيد، عوضاً عن البقاء فى ديار الكفر»، قبل أن يعرض عليها الزواج، ويجذبها بالحديث عن «حياة مهمة، تحقق من خلالها نفسها، فى أجواء من المغامرة». ولا تنسى آنا أن تشير إلى ما اعتبرته «قوة الجذب الواضحة» فى عرض التجنيد «الداعشى»، إنها حرب تخوضها «داعش» عبر «الإنترنت»، وتحقق فيها نجاحات ضخمة، فكيف سنخوض نحن تلك الحرب؟

ذلك موضوع مقال مقبل بإذن الله.

*نقلاً عن "الوطن" المصرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.