أوراق القيصر السوري

خالص جلبي

نشر في: آخر تحديث:

روت لي ابنتي من نيويورك كيف اشتغلوا لمدة شهر وبالتعاون مع الحقوقي الأميركي «ديفيد كرين» لتعميم الصور التي هرب بها المدعو قيصر (وهذا اسم مستعار) من سوريا، ويقول القانوني «ديفيد كرين» إنه اجتمع بالقيصر وتحدث معه، وهو مختفٍ الآن باسم مستعار في بلد أوروبي. ومما روى عن تجاربه أنه لم يعد يتحمل التصوير (بعد قرابة 11 ألف جثة ماتت جوعاً وتعذيباً موثقة بـ55 ألف صورة) فقد كانت مهمته تصوير الجثث وتوريدها للقصر الجمهوري! ومن الغريب هذا التوثيق الذي قد يفتضح، ولكنه يذكر بالعقلية النازية الجهنمية، فهتلر لم يكن يرتاح قبل أن يرى النهاية لخصومه أو من يعتبرهم خصومه مصورين بفيلم حي من نوع 8 ملميتر في أيامهم! ويقول قيصر: وفي يوم كان أحد الضحايا صديقاً لهم فقرر الهرب لأنه سيكون الصورة القادمة والضحية التالية التي لا مفر منها.

ويتشكك «كرين» كثيراً في أن يتجاوز مجلس الأمن محلة الإدانة والدعوة إلى فتح تحقيق في المسألة، وذلك لمعرفته العميقة بهذا المجلس المنحاز وخاصة أن بعض زعماء الدول الكبرى فيه مهتمون لنجاة صديقهم الموهوب في القتل. وفي أميركا قام البعض بالتفاف مختلف من خلال الضغط في مجلس النواب والشيوخ الأميركيين، حتى قام الجمهوري كريس سميث (Chris Smith) بالتعاون معهم وعرض الفاجعة على لجنة مستقلة.

وحالياً تم تحضير خمس قضايا للرفع القانوني في وجه الأسد المفلت من العدالة بالفيتو الذي يسخره في صالحه بعض حلفائه. ولابد أن يكون للعدالة الدولية موقف ليس فقط في وجه النظام بل أيضاً في وجه بعض المجموعات المسلحة مثل «النصرة» و«داعش» وحتى بعض العناصر المحسوبة على «الجيش الحر» (روى لي صديقي طبيب الأسنان من بصرى الحرير كيف استسلم تسعة جنود للمعارضة المسلحة فقتلوهم ميدانياً).

يقول «كرين» عن خبرته الشخصية إن والده كان ضابطاً يخدم في الجيش الأميركي في ألمانيا الاتحادية ورأى وهو طفل معسكر «داخاو» الألماني حيث كان يجمع ويصفى المعتقلون. وقال لقد شممت رائحة الرعب وما زالت في أنفي حتى درست الحقوق، وكرست نفسي اليوم للسوريين، كما فعلت مع المجرم تشالز تايلور (رئيس ليبريا السابق المسؤول عن قتل مئة ألف أو يزيدون).

وحين يتحدث عن حملة بوش الابن يقول كنت أنا في وزارة الدفاع حين تمت التهيئة لاجتياح العراق، والحق أقول لكم، كانت من أجل النفط لا أكثر ولا أقل.

ومن أعجب ما يذكر الرجل عن قضية المجرم تشارلز تايلور أن عمله لم يسند من الحكومة الأميركية بل تمت عرقلته في بعض المراحل، ليكتشف بعجب أن تايلور كان عميلًا مدللًا ليس عند الاستخبارات المركزية (CIA) فقط، بل أيضاً المخابرات المركزية العسكرية (DFA)، وربما كان أحب إلى قلوبهم حتى لو قتل مائة ألف أويزيدون، أو مثل بشار 470 ألفاً من الأنام، وعطب مليونين وهروب عشرة ملايين! ومن أعجب ما يسرد أن هناك الكثير من المجرمين الذين لا يمكن جرهم لعدل أو عدالة أو محكمة أو هيئة لأنهم محروسون في المحافل الدولية بالفيتو غير المسؤول. لينتهي بالقول: إن الطريق لتحقيق العدالة طويل ومليء بالمفاجآت والمطبات، ولكن يكفي أننا نجحنا مرة في جر مجرم عتيد إلى العدالة، ووضعنا الأصفاد والسلاسل في معصميه، ومن نجح مرة في تحقيق العدالة فقد ينجح مرات.

ومن هذه الخلاصة نصل إلى أن الظلم في الأرض عريق، وبين الخلائق مستمر وعتيق، ومن ظلمات هذا الجو كان لابد من قانون وعدالة ووقف لمجرمي الحروب عند حدودهم بشكل حاسم.

* نقلاً عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.