حرب الإعلانات الدامية

عباس الطرابيلى

نشر في: آخر تحديث:

من قال إن الحرب الآن فقط فى سوريا والعراق وليبيا واليمن بل وفى شمال سيناء!! الحرب أيضاً شرسة داخل مصر.. ولكنها حرب من نوع مختلف لا تسعى للسيطرة على الأرض وفرض السيادة عليها.. ولكنها - عندنا - حرب تستهدف أموال المصريين، وهى تستغل فى ذلك عشق المصريين للطعام والشراب.. والتسالى، وأقصد بها حرب الإعلانات الرهيبة، وفى كل شىء.

وحروب الإعلانات الحالية تتناول كل شىء، السمن والزيت، الجبن الأبيض والزبادى، ومن حرب السيراميك.. إلى الشقق والشاليهات.. والعصائر والمياه الغازية وحتى شراب الشعير.. ومن المحمول إلى أجهزة التكييف.. وكل هذه الإعلانات لا تراعى الفقراء والبسطاء ولا ظروفهم وعجزهم.. بل امتدت إلى الدعوة للتبرع لبناء المستشفيات لمواجهة السرطان وأمراض الكبد.. رغم أن هذه الدعوة هى الأفضل، طوال شهر رمضان.. ربما من أجل «تحميس» الناس للتبرع، فى شهر الخيرات.

وامتداد «حرب الإعلانات» إلى كل مظاهر الحياة، وصولاً إلى كعك العيد يُظهر مصر والمصريين وكأنهم فى رغد العيش.. ولم يعد ينقصهم أى شىء.. بدليل الشقق الفاخرة داخل الكمبوندات.. والشاليهات على البحرين: المتوسط شمالاً والأحمر شرقاً.. وفوق المقطم.. وفى وادى القطامية.. وهذا خطأ رهيب.

وحرب الإعلانات تستخدم فيها كل الأسلحة.. أبرزها الكذب والادعاء.. بدليل أن بعضها يقدم للناس صورة غير واقعية داخل هذه «المستعمرات السكنية» من حدائق غناء.. وغابات وشلالات.. وأنهار وسط مناطق لم تعرف الزراعة، ولا أى شىء من ذلك، مثل حدائق أعلى المقطم.. وأخرى على الساحل الشمالى، التى تُظهر بعض إعلاناتها أشجاراً لا تنمو إلا فى المناطق الاستوائية!! بل تنافس أشهر حديقة فى نيويورك «سنترال بارك» وتنافس كورنيش التيمز فى لندن.. وعمارة عصر النهضة فى باريس.. ما كل هذا الخداع وهذه الأكاذيب.. وناقص أن يقدم أحد هذه الإعلانات شققاً وفيلات كما فى القطب الشمالى: ألاسكا.. وأيسلندا وشمال النرويج والدنمارك.. بحجة أن المصرى بات الآن يحلم بجو بارد.. وسط الجو الخانق الذى يعيشه كل المصريين الآن!!

وهذه الإعلانات تؤكد لنا أن هناك سلعاً تربح كثيراً.. مثل الجبن الأبيض، إذ تقدم لنا نجوماً وفنانين يعشقون الجبن الأبيض.. بينما معظم هذه الألبان.. من اللبن المجفف لأن مصر ليست دولة «لبنية» وليس عندنا الآن.. كما كان عندنا زمان تنوع من الأبقار والجاموس والماعز.. وما أدراكم ما لبن الماعز وجبن لبن الماعز المشهور فى الشام!! ولكن إذا كان هذا الجبن يربح كل ذلك.. حتى يغطى تكاليف إنتاج هذه الإعلانات وتكاليف إذاعتها.. فماذا عن إعلانات المياه الغازية والصراع - بل والحرب المعلنة - بين شركاتها؟.. وميزانيات هذه الشركات تتفوق - خارج مصر - على ميزانية أكبر الدول.

ثم ألا تجعلنا التخفيضات المعلنة على أسعار السيراميك وهى تصل إلى 70٪ نقول: نحن الآن فى حرب السيراميك الأولى، بعد أن تعددت الشركات المنتجة له، وزمان كنا نسخر من إعلانات كعك العيد بعد أن تغيرت عاداتنا، ونسينا عادة صنع المرأة المصرية هذا الكعك.. داخل البيوت.. تماماً كما انتهى عصر إعداد الخبز حتى فى قرى الريف.

■ كل هذا يجعلنا نؤكد أن الإعلان أصبح وحشاً ضارياً.. مع انتشار عصر القنوات الفضائية.. بل وأصبح إمبراطوريات تسيطر على عقول الناس. ترى.. هل نطالب بفرض ضرائب تصاعدية - بشكل جدى - على عائدات شركات الإعلانات، والوكالات.. بعد أن أصبحت هذه وتلك تدخل كل بيت.. بل وكل عقل.. أم يا ترى هذه الإعلانات مقصورة على شهر رمضان؟.. وإن كنت أرى أن حرب العقارات الحالية قد بدأت وبالذات مع بدء عودة المصريين العاملين بالخارج وبحثهم عن مسكن يوفر لهم الأمان.. داخل هذه «المستوطنات الإسكانية».. وبعد أن أصبح الاستثمار العقارى هو الأكثر ضماناً «الآن» بعد ارتفاع معدلات التضخم.

■ حقاً.. تتعدد الحروب.. ولكن الأكثر شراسة هو ما نراه الآن.. فى مصر.

* نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.