عقبات التجديد فى الخطاب الإسلامى

عبد العليم محمد

نشر في: آخر تحديث:

الطريق إلى التنوير والحداثة والتقدم والمدنية، فى العالم العربى والإسلامى تعترضه عقبات كثيرة، لا تحظى بالكثير من النقد البناء، أو بمحاولات متنوعة لتشخيص هذه العقبات بهدف تجاوزها، وصياغة نمط جديد للتفكير، يسوغ المضى قدما فى الأخذ بأسباب التنوير والمدنية بروح جديدة متحررة من الهواجس المبالغ فيها، ومن التردد والحذر المفرط، تتعلق هذه العقبات بنمط العقلية ونمط التفكير الإسلامى الحديث، الذى لم يستطع تجاوز هذه العقبات لأنه باختصار تجاهل وجودها، أو سكت عنها عمدا وقصدا، وكانت المحصلة أن ظلت هذه المفاهيم مقصورة على دوائر ضيقة وتطبيقات محدودة، بينما بقيت غريبة عن القطاع الأوسع من المسلمين فى العالم.

أول هذه العقبات هى الاعتقاد الراسخ لدى الغالبية من رجال الدين الإسلامى أن هذه المفاهيم فى حدها الأدنى ليست جديدة على الإسلام وأنها قائمة فى تراثنا الدينى، وفى حدها الأقصى أنها نتاج سياق حضارى وثقافى غربى يتعارض مع الخصوصية الحضارية والثقافية الإسلامية، ومن ثم فهى غريبة عنا ولا تصلح لنا، وفى كلتا الحالتين لم يتم حسم هذه القضية، ففى الحالة الأولى وهى وجود هذه المفاهيم فى تراثنا يثور السؤال لماذا إذن لم نأخذ بها ولم نطورها ولماذا سكتنا عن وجودها وتوقف البحث عنها، وتقع المسئولية بالتأكيد على عاتقنا وعلينا أن نعترف بأحقية الغرب وأسبقيته فى اكتشاف هذه المفاهيم وصياغتها وبلورتها على النحو المعروف والذى أهلها للانتشار، وللاقتباس فى بيئات ومجتمعات غير غربية، أما فى الحالة الثانية أى حالة ارتباط هذه المفاهيم بالسياق الحضارى الغربى، فالسؤال يتمثل فى أن مكان وجغرافية الأفكار لا يدين هذه الأفكار بالضرورة.

ولا يبين صحتها من عدمه، بل يتوقف الأمر على فاعلية هذه الأفكار وقدرتها على التأقلم والتبيئة وفائدتها الممكنة والمرجوة فى تحقيق أهداف الجماعة الإنسانية، فى تحقيق السلم الأهلى والرقى وإعادة تأسيس الاجتماع البشرى، وبالإضافة إلى ذلك فإن القول بغربية هذه الأفكار وغربتها عن واقعنا يتناقض مع تقاليد العقل الإسلامى فى أوج ازدهاره عندما تعامل العرب والمسلمون العلماء والمفكرون مع أفكار واكتشافات الحضارات الأخرى غير الإسلامية الفارسية والهندية واليونانية بروح إيجابية، ونقلوا عنهم وأضافوا إلى ما نقلوه وانتقدوا مالا يلائم الحضارة الإسلامية، وفى المقابل حظت إسهامات الحضارة الإسلامية الفكرية والعلمية باهتمام الحضارة الغربية بل ودخلت هذه الإسهامات فى صلب النهضة الغربية عبر دراساتها وتدريسها فى دوائر التفكير والبحث والعلم، باختصار لأن الحضارات تتميز بقدرتها على التفاعل والتواصل بطرق وأساليب شتى طوعا أو كرها، واعية أو لا واعية.

وفى الحالتين يكمن موقف دفاعى ونفسى بأكثر مما هو عقلى وعقلانى، فى الحالة الأولى أن هذه المفاهيم ليست جديدة وقائمة فى تراثنا، ثمة موقف يرفض الجديد ويكتفى بذاته ويتميز بالعزلة وعدم القدرة على الانفتاح والخوف من الجديد أما فى الحالة الثانية أى ارتباط هذه المفاهيم بالسياق الحضارى الغربى فإن هذا الموقف ينطوى على التمسك بالخصوصية المفرطة والخوف الدائم على الهوية، ومن الذوبان والتماثل، وهو الأمر الذى ينطوى على فقدان الثقة فى الذات وفى قدرتها على بلورة خطوط دفاع ومناعة، كفيلة بأن تجعل من الاقتباس والأخذ بالجديد قدرة متجددة على التطور والتقدم والثقة.

أما ثانى هذه العقبات فيتمثل فى اعتبار ما جاء به السابقون من العلماء والمفسرين بمثابة القول الفصل فى مختلف القضايا، وأن واجبنا لا يتجاوز الاسترشاد بما جاء به وإعادة قراءته وشرحه وإعادة شرحه، وهذا الموقف ينطوى على الكثير من المشكلات، فهو أولا دعوة إلى وقف الاجتهاد والتفكير النقدى والاكتفاء باجتهادات السابقين وهو ثانيا يسقط من اعتباره اختلاف طبيعة المشكلات والظروف التاريخية التى كان على اجتهادات السابقين مواجهتها، وهى ظروف تختلف عن واقعنا نوعيا وكيفيا فى عصر العولمة والاتصال والثورة العلمية والرقمية، ويتوجب علينا مواجهة ظروفنا المختلفة نوعيا باجتهادات معقدة ومبتكرة تلائمها وتعالج تداعياتها، وثالثا أن هذا الموقف أى الوقوف عند اجتهادات السابقين يضفى على هذه الاجتهادات طابعا مطلقا كما لو كانت تصلح لكل زمان ومكان ويمنحها القداسة فى حين أنها بشرية نتاج ظروفها ونسبية، ذلك أن القداسة والإطلاق لا يحظى بهما سوى «القرآن الكريم» والأحاديث النبوية الصحيحة والمدققة، ولا يعنى ذلك إسقاط اجتهادات القدماء أو تحميلهم مسئولية ما لحق بالإسلام، بل يعنى الإضافة والتجديد وفق مستجدات العصر.

وثالث هذه العقبات يتمثل فى الاعتقاد بوجود «مؤامرة كونية» على الإسلام والمسلمين بهدف إزاحة الدين ومكانته فى المجتمعات الإسلامية، والصحيح أن هناك فوبيا الإسلام فى المجتمعات الغربية أى الخوف من الإسلام أو للدقة الخوف من الإرهاب، الذى يزعم انتسابه للإسلام، ولا يمكن القطع بعدم وجود هذه المؤامرة لأن التآمر بطبيعته سرى، كما لا يمكن أن ننفى أن ثمة بعض المستشرقين المحرضين على الإسلام وكذلك بعض الأكاديميين، لكن السؤال المهم وبافتراض وجود هذه المؤامرة ألا يدعو الأمر إلى مواجهتها من خلال دحض تجلياتها وافتراضاتها وتبين طبيعة الإسلام وروحه السمحة وبراءته من الإرهاب والتعصب والعنصرية ودعوته للسلام والوئام والمحبة والمساواة والكرامة الإنسانية والعدل عبر خطاب إسلامى معتدل وعقلانى، يدافع عن مصالح المسلمين وعلاقاتهم فى عالم اليوم، ألا يدعو هذا الأمر إلى فتح باب الاجتهاد وإعادة تشكيل العقل الإسلامى الحديث وانتشاله من أيدى المتطرفين والمتعصبين والجهال.

إن التفكير فى هذه العقبات ودراسة كيفية تفكيكها وتعقب تجلياتها فى كافة مستويات المعالجة والتحليل، كفيل بإنتاج معرفة حقيقية بالإسلام أو بالعالم المعاصر، ذلك أن الإسلام والقرآن الكريم بخاصة يحفل بالعديد من الآيات التى تدعو للتفكير والتدبر وإعمال العقل والنظر فى الموجودات وكشف طبيعتها وتأمل انتظامها وسننها كما أن العالم يحفل بمظاهر التقدم العلمى والإنسانى المفيد والنافع والبناء.

* نقلاً عن "الأهرام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.