بنجلاديش.. خطر التنظيمات الإرهابية

ذِكْرُ الرَّحْمَن

نشر في: آخر تحديث:

اعتقلت حكومة بنجلاديش على مدار الأسبوع الماضي وحده أكثر من 14 ألف شخص في مسعى للتصدي لصعود نشاط المتشددين الإسلاميين والوقوف أمام موجة من عمليات القتل استخدم فيها المهاجمون السواطير. وقُتل كتاب «ليبراليون» ومدونون وناشرون وأجانب وأفراد من أقليات دينية على مدار السنوات الثلاث الماضية في البلد الذي غالبيته مسلمون وتعداد سكانه يبلغ 160 مليوناً. وقتل 49 شخصاً على الأقل على امتداد عام واحد بأيدي أشخاص فرادى أو أعضاء من جماعات متشددة.

والقتل في بنجلاديش يمكن تفسيره بأنه تصادم بين «الليبراليين» المتطرفين والمتشددين المتطرفين في مجتمع عُرف عنه الاعتدال وليس التماهي مع الهوية الدينية. والبلد الذي انفصل عن باكستان عام 1971 ظهر للوجود بناء على رغبة موحدة في قيام الأمة البنغالية وليس إعلان الهوية الدينية. لكن التطورات خلال السنوات القليلة الماضية أظهرت أن البلد الواقع في جنوب آسيا يغرق ببطء في أزمة خطيرة مع صعود العناصر الدينية المتشددة التي تصر على إثارة الاضطرابات والفوضى وعدم الأمن وسط الجموع. وهناك من يرى أن موجة القتل سببها ردود أفعال العناصر المتشددة على الأحكام القاسية التي تصدر حالياً عن «محكمة جرائم الحرب» بشأن حرب عام 1971 لتحرير بنجلاديش من باكستان. وأشارت بيانات حكومية إلى أن أكثر من ثلاثة ملايين شخص لقوا حتفهم في حرب «التحرير» بين القوات المؤيدة للاستقلال والجيش الباكستاني المدعوم من الجماعات المحلية التي خرجت منها بنجلاديش بلداً مستقلاً.

والشيخة حسينة واجد رئيسة وزراء بنجلاديش، وهي الابنة الباقية الوحيدة من أبناء مؤسس بنجلاديش الشيخ مجيب الرحمن. وجاءت الشيخة حسينة إلى السلطة عام 2009 وأنشأت «محكمة جرائم الحرب»، للفصل في القضايا الخاصة بزمن الحرب التي تعود إلى سبعينيات القرن الماضي ضد أعضاء من «الجماعة الإسلامية». ومنذ ذاك الحين، أعدم عدد كبير من الشخصيات البارزة من بينهم «مطيع الرحمن نظامي»، وهو زعيم «الجماعة الإسلامية» البالغ من العمر 73 عاماً، وهو وزير في حكومة رئيسة الوزراء السابقة خالدة ضياء الرحمن الذي شنق في مايو الماضي. وكان نظامي خامس زعيم يشنق من الجماعة الإسلامية بعد أن أدين بارتكاب جرائم في حرب مر عليها الآن 45 عاماً.

وأثارت عمليات الإدانة غضب جماعات المعارضة التي تتهم الحكومة بشن حملة من دوافع سياسية. وتجلى غضبهم من الحكومة في عمليات قتل يستخدم فيها المهاجمون السواطير. وانتشر الغضب على نطاق واسع لدرجة أن سنغافورة التي يسافر إليها كثير من البنغاليين للعمل رحلت دفعتين منهم بدعوى أنهم كانوا يخططون لهجمات ضد حكومة الشيخة حسينة. وضُبط هؤلاء وبحوزتهم مواد ملتهبة، وذكرت تقارير أنهم كانوا يجهزون التمويل، ويدبرون لخطة للإطاحة بالحكومة البنجلادشية. وفي مايو الماضي وجهت محكمة في سنغافورة اتهامات لستة بنغالين بالإرهاب للاشتباه في تخطيطهم وتمويلهم لهجمات في بنجلاديش.

وأعلن تنظيما «داعش» و«القاعدة» في شبه القارة الهندية مسؤوليتهما عن عدد كبير من عمليات القتل. لكن الحكومة تنفي أي وجود أو نفوذ لأي من «داعش» أو «القاعدة» على أراضيها، وتلقي باللائمة في تصاعد العنف على عناصر إسلامية متشددة وجماعات مسلحة. واتهمت أحزاب المعارضة الحكومة بسوء إدارة الموقف برمته. وهناك حتماً خطر إذا استطاع تنظيمات مثل «داعش» أو «القاعدة»، أن يكون لها موطئ قدم في البلاد، لأن هذا يعني أن الحكومة لن تستطيع أن تتصدى لأي محاولات من مثل هذه الجماعات الإرهابية لتعزيز نفوذها في البلاد، وفي باقي آسيا.

ورغم أن هذه التطورات تثير قلق باقي مناطق شبه القارة الهندية، لأنها قد تقدم أرضا خصبة للجماعات المتطرفة والإرهابية لتكسب موطئ قدم في المنطقة، لكن من الصواب أيضاً أن عمليات الاعتقال الجماعية لآلاف من أنصار المعارضة يُنظر إليه باعتباره ردا متشددا من الحكومة. واُعتقل كثيرون منهم على الأرجح دون اتباع أي إجراءات قانونية مناسبة. وحتى الآن، يقف الرأي العام في بنجلاديش ضد العناصر المتشددة في المجتمع، لكن الحملة الحكومية الصارمة وواسعة النطاق واعتقال آلاف الأشخاص، قد يغذي الغضب، وقد يحفز المزيد من أنشطة المتشددين. والواقع أن قائمة أولويات المتشددين قد تجد ترحيباً وسط قطاعات أوسع من المجتمع، وقد يصبح قضية مثيرة لقلق حكومة بنجلاديش، خصوصاً إذا استطاعت «القاعدة» أو «داعش» الحصول على موطئ قدم في البلاد. ومن الواضح أن حكومة بنجلاديش بحاجة إلى أن تتعامل مع هذه القضية بقدر كبير من الحذر، لأن عمليات الاعتقال الجماعية قد لا تكون أفضل طريقة. وبالنسبة لبلد أنصب تركيزه ذات يوم على تعزيز النمو الاقتصادي، وإنقاذ الملايين من وهدة الفقر وهي أهداف حققها ببطء، فإن المشكلات الحالية تثير بالتأكيد الانزعاج.

* نقلاً عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.