مخاوف ما بعد الاستفتاء

حلمي النمنم

نشر في: آخر تحديث:

اختار الشعب البريطانى فى استفتاء الخميس، الخروج من الاتحاد الأوروبى، خرج 72% ممن لهم حق التصويت للاستفتاء، وهى نسبة تعد مرتفعة، صَوَّتَ حوالى 52% منهم لصالح الخروج، والواضح أن المسألة كانت محتدمة فى بريطانيا، حتى وجدنا نائبة بمجلس العموم يتم اغتيالها فى الشارع، بسبب دفاعها عن البقاء فى الاتحاد، القاتل أطلق عليها الرصاص، ثم راح بعد ذلك يعتدى عليها بالطعن، وفى جلسة المحاكمة، رفع المتهم بقتلها شعار «الموت للخونة»، أى أن البقاء فى الاتحاد خيانة لبريطانيا. قبل الاستفتاء، حذر كثيرون خارج بريطانيا وداخلها الشعب البريطانى من ترك الاتحاد الأوروبى، وأن ذلك سوف يعرّضهم لمصاعب اقتصادية جمة، فضلاً عما سيسببه من متاعب اقتصادية لأوروبا كلها، وصل الأمر أن الرئيس الأمريكى باراك أوباما زارَ لندن، ومن هناك راح يحث المواطنين على البقاء فى الاتحاد الأوروبى، ويعدد لهم مزايا ذلك؛ الحديث طويل وممتد فى بلاد الغرب عن التداعيات الاقتصادية لخروج بريطانيا من الاتحاد، ويمكن كذلك الحديث عن التداعيات السياسية، وقد بدأت بالفعل مع إعلان النتيجة، السيدة لوبان فى فرنسا أعلنت أنها لو فازت فى الانتخابات سوف تدعو إلى استفتاء مماثل فى فرنسا، هى تحبذ خروج فرنسا من الاتحاد، وهناك دعوات مشابهة فى هولندا وفى إيطاليا، وأتصور أن ذلك يمكن أن يحدث فى ألمانيا، أما التداعيات السياسية داخل بريطانيا فهى واضحة ومعلنة. يعنينى فى هذه المسألة عدة أمور، تخصنا نحن، يجب أن نتوقف أمامها:- أولاً: أن الاتحاد الأوروبى يتفكك من داخله، ولم يعُد الحلم الذى راهن كثيرون فى منطقتنا على أن نبنى اتحاداً عربياً مماثلاً، وكم تعرضنا لجلد الذات من بعض السياسيين والمثقفين، لأننا فى العالم العربى لم ننجح فى أن نكون مثل أوروبا فى اتحادها، فضلاً عن أن هناك من سعى ومازال يسعى لدخول هذا الاتحاد، تركيا تحديداً. ثانياً: أن قطار العولمة الذى بشر به البعض، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتى سنة 1990، يواجه عقبات عديدة، وأنه يتراجع، والأحاديث ممتدة حول أن ضرورات العولمة وأهميتها بحاجة إلى مراجعات حقيقية.
ثالثاً: بروز شخصية إقليمية تعلو على الشخصية الوطنية، أمر غير مستحب، خاصة لدى الدول ذات التاريخ والتجربة الوطنية الطويلة، اختار البريطانيون أن يظلوا بريطانيين وليسوا أوروبيين، فى إطار 27 دولة والعديد من القوميات. وإذا كانت العولمة تتراجع، والمشروع العابر للوطنية يتعرض للاهتزاز، فإن الأمر ينطبق كذلك بالضرورة على أصحاب الفكرة الأممية، كان سقوط الاتحاد السوفيتى تأكيدا على فشل المشروع الأممى، ويمثله عندنا – حالياً- دعاة دولة الخلافة الإسلامية، كل المؤشرات تؤكد أن الدولة الأممية لا موقع لها فى عالمنا. رابعاً: النتيجة الأهم لهذا الاستفتاء، هى أن الدولة الوطنية لا يجوز الالتفاف عليها، ولا المساس بها، أو تذويبها فى كيان آخر، حتى لو بدا أنه كيان أكبر، ولو كان ذلك بدوافع إنسانية نبيلة أو دوافع اقتصادية ومالية، والواقع أن حالة الشعب البريطانى ليست استثناء فى ذلك، ولكنه يؤكد ظاهرة وحالة قائمة، شاهدناها فى دول الاتحاد السوفيتى السابق، حين انفكت عنه سنة 1990، وعادت إلى ما كانت عليه قبل الدخول فى الاتحاد، ونحن فى مصر جربنا ذلك من قبل، مرة فى تجربة الوحدة مع سوريا، وثبتَ فشلها، ومرة مع مشاريع القذافى فى الوحدة الاندماجية، سنوات السبعينيات، وآخر مرة كانت فى 30 يونيو، حين بدا أن دولة المرشد تلتف على الوطنية المصرية وعلى دولتنا الوطنية، فهب الملايين من المصريين يرفضون ذلك تماماً.

ومن هذه النقطة يبرز العديد من التساؤلات وأيضاً المخاوف، هل اشتراك بريطانيا فى الاتحاد الأوروبى هز الهوية البريطانية، أو جعلها تتراجع؟ أنصار ودعاة الخروج من الاتحاد الأوروبى يؤكدون ذلك، بل إن أحدهم أعلن، عقب ظهور نتيجة الاستفتاء، أن بريطانيا استردت استقلالها وسيادتها؛ لكن هناك من يرون ذلك مجرد بداية، سوف يعقبها استقلال أسكتلندا عن بريطانيا وربما إيرلندا، أى أن بريطانيا الحالية يمكن أن تتفكك لو سارت فى هذا الطريق على استقامته.

وصحيح أن الحفاظ على الدولة الوطنية أمر مهم، لكن الخوف أن يؤدى ذلك إلى نوع من الانعزالية بين الدول، وربما بروز نزعات وتيارات قومية أو وطنية متطرفة، قد تؤدى بأوروبا، وربما بالعالم كله إلى مزيد من الصراعات والنزاعات، وقد عانت أوروبا من ذلك كثيراً فى القرون الماضية.

وفيما يخصنا فإننا يجب أن نستعد لصعود هذه التيارات فى الغرب، وتأثيرها علينا، وليس هذا كل ما تحمله نتائج الاستفتاء، مازال هناك الكثير حول قضية الديمقراطية ذاتها، آلياتها وحدودها.

*نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.