البحرينيون عراقة حضارية وسلام

مصطفى الصراف

نشر في: آخر تحديث:

جزيرة ما سميت اليوم بالبحرين وصفها الشعراء والأدباء بأنها الجنة، وهي كذلك كما جاء في ملحمة جلجامش الأسطورية منذ ما قبل الميلاد بثلاثة آلاف عام، وذلك لما حباها الله من كثرة ينابيع المياه العذبة، وخضرة في زرعها، وموقع في طريق الحضارات من وإلى الخليج، فقامت في البحرين حضارات موغلة في القدم، منها حضارة دلمون التي كانت فيها قبل خمسة آلاف عام. ومنذ فجر التاريخ، وشعب البحرين بحكم طبيعة أرضه برع في الغوص على اللؤلؤ والاتجار به، كما عرفوا الزراعة وبرعوا فيها، فهو شعب حضاري مسالم يحب الاستقرار، وقد استوطنت البحرين منذ قبل الإسلام قبيلتا عبدالقيس وبكر ابن وائل من ربيعة، وانضمت إليهما قبيلة تميم، وأقاموا فيها حضارة «أوال»، وهذا الاسم الذي عرفت فيه البحرين آنذاك، ومع بزوغ فجر الإسلام دخل شعب أوال الإسلام طوعاً، وعن قناعة بعد أن بعثوا من يمثلهم إلى النبي (ص) ليطلعوا منه على فحوى رسالته، وذلك في العام السابع للهجرة، وقد تصدوا بإيمان وشجاعة للمرتدين في العام الثاني عشر للهجرة تأييداً للخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، كما شايعوا الخليفة الرابع علي ابن أبي طالب رضي الله عنه.
فعرف شعب البحرين بخصوصيته واستقلاله رغم تعرضه للاحتلال من قبل الفرس الساسانيين فترة، ثم البرتغاليين، ثم الفرس الصفويين ثانية الذين أطلقوا على أوال تسمية البحرين، ثم الإنكليز، وكان شعب أوال حتى إبان فترات الاحتلال لم يرتض إلا أن يكون الحاكم عليه واحداً منهم عربياً مسلماً. ثم جاء آل خليفة ضمن حلف العتوب المكون من «آل صباح وآل خليفة والجلاهمة» ليحكموا البحرين. ومثلما استقر آل صباح بين أهل الكويت وارتضاهم الكويتيون حكاماً لهم، فقد استقر آل خليفة في البحرين وارتضاهم البحرانيون حكاماً لهم. وبقيت البحرين مزدهرة وشعلة مضيئة كمجتمع حضاري بارع في بناء السفن والغوص على اللؤلؤ والاتجار به، ويمتهن الزراعة ويصدر علومه لما جاوره من المجتمعات، مثلما صدر صناعة السفن إلى الكويت، وكانت البعثات التعليمية الأولى في الكويت تقصد البحرين للتعلم هناك. وفي نهضة اجتماعية متوازية بين الكويت والبحرين نما الشعبان وكوّنا دولتيهما الحديثتين.
ولكن الكويت كانت أسبق إلى الأخذ ببناء الدولة العصرية على يد المغفور له الشيخ عبدالله السالم الصباح، حيث عمل آل صباح مع شعب الكويت على وضع دستور للدولة الحديثة يقوم نظامها على أساس الفصل بين السلطات، ويجعل السيادة للأمة مصدر السلطات جميعاً، وينص على أن العدل والحرية والمساواة دعامات المجتمع، والتعاون والتراحم صلة وثقى بين المواطنين.
إن شعب البحرين قد جبل على أن يعيش حياة مدنية على مر التاريخ، وجدير به أن يكون في مقدمة الدول الحديثة.

نقلاً عن القبس

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.