30 يونيو لا تحتاج اعترافا !

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

فى أعقاب قيام تركيا بتطبيع علاقاتها الدبلوماسية والسياسية مع إسرائيل، والأهم من ذلك مع روسيا، فإن عددا من الإشارات صدرت من أنقرة تضع مصر على طريق التطبيع الدبلوماسى هى الأخري. ما صدر من مصر استجابة للإشارات التركية اشترط ضرورة الاعتراف التركى «بشرعية» الثورة المصرية فى ٣٠ يونيو ٢٠١٣. المسألة على هذا النحو تضع شأنا مصريا خالصا موضع التصويت من قبل دولة أخري. والرأى عندنا أن ثورة ٣٠ يونيو لا تحتاج اعترافا من أحد سواء كان ذلك الأحد هو تركيا أو غيرها من الدول التى كانت لها تحفظاتها المعلنة على ما جرى فى الثورة، ومع ذلك فإن مصر لم تشترط على أحد إعلان هذا الموقف. النتيجة الطبيعية لاستمرار العلاقات، أو استئناف الصلات كما كان الحال مع الولايات المتحدة، كان فى حد ذاته اعتراف وتسليم، لم تطلبه مصر، بالثورة المصرية على حركة دينية فاشية.

الأمر على هذا النحو له جانبان: الأول يتعلق بتركيا التى لن يختلف أحد على أهميتها فى الشرق الأوسط. والواضح أن تركيا تمر بمرحلة مراجعة كبيرة لسياستها الخارجية، وأنها فى سبيلها إلى العودة مرة أخرى إلى استراتيجيتها التقليدية خلال العقد الماضى بالبعد قبل الإمكان عن الصراعات مع الدول الأخري. هذه السياسة كفلت لتركيا خلال العقد الأول من الألفية الحالية قدرة كبيرة على التطور والنمو الاقتصادى التى وصلت بها إلى المرتبة ١٧ بين الدول الصناعية، وفتحت لها أبواب المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي. هذه السياسة انكسرت تماما فى أعقاب ما سمى بالربيع العربى الذى خلق فراغا سياسيا كبيرا فى إقليم الشرق الأوسط تصورت تركيا، وربما «أردوغان» شخصيا، أن أنقرة يمكنها أن تملأه ، وتجعل من تجربتها الخليط بين العلمانية وفكر الإخوان المسلمين سبيلا للقيادة والريادة والنفوذ فى المنطقة. وبعد خمس سنوات من هذا التحول، فإن تركيا وجدت نفسها على أبواب فشل كبير أخذ أشكالا متعددة كان أولها اليقظة العنيفة للتمرد الكردى على الدولة؛ وثانيها أن ثورة ٣٠ يونيو فى مصر وضعت خطا أحمر على تمدد حركة الإخوان فى مصر وخارجها؛ وثالثها أن نتائج الربيع العربى فى الجوار المباشر خاصة فى سوريا انتهى من ناحية إلى مواجهة عسكرية مع روسيا ومن ناحية أخرى إلى تعزيز موقع الأكراد وعلاقاتهم مع الغرب؛ ورابعها أن الهوية الإخوانية للدولة التركية لم تنقذها لا من الإرهاب والإرهابيين الذين وجدوا مأوى وملاذا فى تركيا؛ وخامسها أن العلاقات بين تركيا وجيرانها أخذت فى التوتر بأشكال مختلفة سواء كان مع مصر أو مع أرمينيا.

هناك بالطبع ما هو أكثر، ولكن التوجه العام هنا أن التغيير الجارى فى السياسة الخارجية التركية هو تراجع عن كل ما سبقه من سياسات. ومن الناحية المصرية، وهى الجانب الآخر من العملة، فإن المصلحة تقتضى التعاون مع كل من هو على استعداد لمقاومة الإرهاب والإرهابيين وهو فى هذه الحالة مصلحة مشتركة مع تركيا؛ ويضاف ذلك إلى مصالح اقتصادية وسياسية واستراتيجية متنوعة. وببساطة فإن مشاركة مصر مع تركيا فى مناورات «رعد الشمال» العسكرية السعودية كان شهادة على وجود مصالح مشتركة حتمتها تطورات الأوضاع فى المنطقة. هنا فإن ثورة ٣٠ يونيو لا تحتاج اعترافا من أحد لأنها منذ البداية كانت ثورة شعبية شاملة دخلت فيها كافة التيارات السياسية المصرية من أقصى اليمين السلفى إلى أقصى اليسار الماركسي، فضلا عن كل من كان له حس سليم من المصريين وقف لكى يدافع عن الدولة المدنية المصرية الحديثة. هذه التيارات المختلفة كلها وقفت على منصة واحدة يوم ٣ يوليو مع القوات المسلحة لكى تضع خريطة للطريق تعبر بمصر عبر استفتاء على الدستور، وانتخابات رئاسية ونيابية نزيهة إلى أوضاع سياسية مستقرة. وهكذا لم تعد «الشرعية» موضوعا فى مصر لأن النظام السياسى الحالى لم يعد وليد «الشرعية الثورية» فقط، والتى يمكن لشرعية ثورية أخرى أن تنقضها، وإنما هو نتاج «شرعية قانونية ودستورية ومؤسسية» لم تكن فريسة العواطف أو حماسة أججتها تيارات سياسية عابرة.

عودة العلاقات مع تركيا هى بالطبع مسئولية من بيده القرار؛ ومن الناحية الفنية فإنه فى يد الدبلوماسيين الذين يعرفون كيف يكون التفاوض، ومتى يكون التوقيت الملائم. ولا شك أن الجميع يعلمون حقيقة أن تركيا صارت عش الدبابير لجماعة الإخوان وشبكاتهم الإعلامية. مثل ذلك لا يليق بعلاقات مثمرة بين دول لديها ما هو أكثر من مصالح مشتركة؛ ولكن المؤكد أن مجرد عودة العلاقات سوف تضع هذه الجماعات فى موضع العزلة بعد خسارة كبيرة لأكبر الحلفاء الذى لم يستعد العلاقات فقط، وإنما هى جزء لا يتجزأ من عملية المراجعة فى السياسة الخارجية التركية من ناحية، وإعادة الاستقرار والتوازن للأوضاع فى المنطقة بأسرها. وفى النهاية، وكما قيل من أهل الحكمة، فإن هذا هو كلامنا ومن جاءنا بأفضل منه قبلناها!

نقلاً عن الأهرام

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.