ابن رشد اطمئن...المسلمون في قمة الاعتدال والتعقل والتفوق!

علي الرز

علي الرز

نشر في: آخر تحديث:

على عكس المدن الكبرى في الاندلس، تبدو قرطبة التي استوطنت تاريخاً مهيباً خاوية من السكان والسياح في أيام منتصف الأسبوع. شعبها طيب لكنه مسكون أيضاً بهاجس التجاهل لتلك الحقبة الزمنية الى درجة تسأل معها صاحبة متجر عن المسجد الكبير فتنفي معرفتها بوجوده رغم أن متجرها على جداره، وعندما تقول إنها لا تعرف سوى الكاتدرائية خلفها ندرك انها تقصد في لاوعيها مقر الخلافة الكبير.

عند باب المسجد تتعرض لغارة من اربع نساء، أو يشبهن النساء، يمسكن بيدك وثيابك من دون «احم ولا دستور»، بينهن واحدة تتحدث العربية ويبدو انها مِن شمال افريقيا. «لا تضيع الفرصة نحن عرافات وكل كلمة نقولها تحصل... انت ممسوس وهناك مؤامرة كبرى ادفع قليلاً واربح عمرك، انت تعيش احلام يقظة تتبعها كوابيس، الحل في هذا الحرز»، تفلت من هؤلاء النصابات لأن في بالك زيارة مكان واحد فقط داخل المسجد/ القصر... مجلس العلامة ابن رشد.

كم هو صعب ان تتفاهم مع أشخاص لا يريدون التفاهم مع تاريخك أو حتى تاريخهم. أين كان الطبيب الحكيم العالم الفيلسوف القاضي الفلكي يكتب ويعلم تلامذته؟ هذا يقول هنا وذاك يقول هناك وثالث يعتقد انك تسأل عن صورة أو بطاقة تذكارية... المهم انك وصلت ولا بد من إيصال رسالتك اليه.

سلاماً سلاماً يا مولانا وأستاذنا، نحمل لكم ونحن في عبقرية الزمان ومهابة المكان رسالة عز واطمئنان، فما جهدت لاثباته في القرن العاشر تحقق كله بل وأكثر منه في الجزء الاول من الألفية الثالثة.

أبشّرك يا استاذنا ان الوسطية والاعتدال والتعددية والانفتاح الإنساني التي طالما ناديت بها نعيشها اليوم في أبهى صورها، فالمسلمون لا يعرفون التنابذ ولا التفرقة ولا التطرف إطلاقاً وهم من اكثر الشعوب اليوم التزاما بقيم المجتمع المدني ويعطون دروساً في التحضر والحداثة.

وسأزيدك من الشعر الذي كنت تعشقه بيتاً، نحن اليوم الأكثر تفوقاً في العلوم والتكنولوجيا وأصبحنا مقصد الباحثين عن التطور والاختراعات تماماً كما كان حكام الإفرنجة يأتون إليكم في قرطبة اذا أرادوا طبيباً أو مهندساً أو عالم فلك. تخرج من جامعاتنا «ولدنا» بيل غيتس وعمل قليلاً في وادي السيليكون العربي الذي اتفقت أربع دول عربية ثرية على إنشائه عند الحدود بينها. كما «كدش» من تفاحنا التكنولوجي المرحوم ستيف جوبز الذي أقمنا كلية خاصة باسمه في حمص نظراً الى الدور الإنساني الكبير الذي قام به بأن نقل ما تعلمه عندنا الى الأميركيين والغربيين عموماً ما ساهم في دعم نظريتكم الفلسفية عن دور التبادل العلمي في التقارب الإنساني. ألست يا معلمنا القائل: «العلم في الغربة وطن والجهل في الوطن غربة»؟

وما دمنا في الحديث عن الفلسفة فكل نظرياتكم عن التأويل الإيجابي للنصوص بما يتلاءم مع روح العصر طبقت، قلت لنا: «الله لا يمكن ان يعطينا عقولاً ويعطينا في الوقت نفسه شرائع مخالفة لها»، و«السبب في ورود الظاهر والباطن في الشرع هو اختلاف فطر الناس وتباين قرائحهم في التصديق»، فالعقل يا مولانا هو السائد حالياً في التفسير والتحليل وإلا فكيف كان يمكن ان نتصدر عالمياً في كل المجالات العلمية والاقتصادية؟ انت من قال «الحسن ما حسنه العقل والقبح ما قبحه العقل»... سامح الله من كان يدس عليك عند السلاطين لعجزه عن التأويل الإيجابي للنص وضحالته العلمية. ليتهم يأتون اليوم ليكتشفوا كم انهم منبوذون اجتماعياً ودينياً.

وأبشرك ايضاً يا عالمنا، انتهت كل هواجسك حول الإيمان والتكفير وغسل العقول. قلت: «اللحية لا تصنع الفيلسوف»، وكأنك أردت القول للخليفة ان اللحية لا تصنع رجل دين ولا عالما ولا مفتيا، في عصرنا اقل رجل دين عنده شهادتان علميتان على الأقل، اضافة الى انه يزاول مهنة عامة كما كنت تفعل ويتقن لغات حية كما كنت تتقن، وشيوخنا اليوم لا يعرفون الدس ولا يحضون على التطرف أو التفرقة لأن هاجسهم المستقبل لا الماضي... نعم، انت قلت مرة بألم: «أكبر عدو للإسلام جاهل يكفر الناس»، هل تصدق اذا قلت لك يا مولانا إننا ومن باب الدعابة بتنا نفكر في فتح مدرسة لتعميم الجهل بعدما وصلت نسبة الجهلاء بيننا الى الصفر.

«اذا أردت ان تتحكم بجاهل فعليك ان تغلف كل باطل بغلاف ديني»... هكذا كنت تقول لتلاميذك يا مولانا انما اسمح لي ان اتجاوز الحدود هذه المرة وأقول انك لا تستطيع تعميم ما في زمانكم علينا. التكفير والتطرف والخلافات كانت في زمانكم فقط، قلت أيضاً ان «التجارة بالأديان لا يمكن ان تنتشر الا في المجتمعات التي يسود فيها الجهل»... أيضاً يبدو انك لم تلتقط رسالتي أو معناها الحقيقي. لا مكان بيننا لتجارة الأديان، أولاً لأن لا جهل لدينا وثانياً لأننا بلغنا من العلم مبلغاً لم يعد معه أي مجال لتجارة أخرى غير الصناعة والزراعة والتكنولوجيا.

تبقى نقطة أخيرة حول المرأة ومساواتها بالرجل ومشاركتها في كل مناحي الحياة العامة، لم يفهم كثيرون غرابة تعبيرك عندما قلت: «الكلبة الأنثى تحرس القطيع كما يفعل الكلب الذكر والمجتمع العربي لن يرقى الا اذا كف الرجل عن استعمال المرأة لمتعته وقصر نشاطها على البيت»... أيضاً أبلغك أيها المعلم ان المساواة بين المرأة والرجل في عالمنا الاسلامي اكثر تجلياً من أي مجتمع آخر، بل صارت معاهدنا تجوب العالم لتدريب مجتمعاته على المساواة والمشاركة. نجحنا في أكثر من مكان لكن الأبرز في السنين السابقة كان مارغريت ثاتشر في بريطانيا وانجيلا ميركل في ألمانيا واليوم نحتاج دعواتك معنا لنرى نتيجة تدريبنا لهيلاري كلينتون عسى ان توفق وتصبح رئيسة اميركا.

هل انت مرتاح الآن أيها المعلم ابن رشد، سعيد، مطمئن؟ هل اعتبرت ان حرق مؤلفاتك كان نكبة أم انك متفاجئ اليوم بتحقيقنا ما عجزت عن تحقيقه؟

«رأيي خطأ يحتمل الصواب ورأيك صواب يحتمل الخطأ» هكذا علمتنا ولكن قبل ان اتابع احتاج استشارة شرعية منك: هل هناك أسباب تخفيفية لحكم الكذب في الاسلام؟ لأن الصدق الوحيد في كل ما كتبت كان دخولي مسجد قرطبة ومحاصرة العرافات لي... ربما كن محقات في قصة احلام اليقظة والكوابيس. استأذنك في اللحاق بهن لأشتري الحرز. تصبح على خير.

* نقلا عن "الراي"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.