عاجل

البث المباشر

عبدالله بشارة

<p>&nbsp;عبدالله بشارة</p>

 عبدالله بشارة

البحرين.. والبيت المزيون

تجولت في زوايا هذا الكوكب شمالاً وجنوباً، وزرت بلداناً بمختلف الحضارات، وخرجت بحصيلة بأن بعضها يأسر، والنادر منها يملك شيئاً خاصاً ومميزاً يتسلل إليك حاملاً وداعة المكان ولطافة الانسان، ورقة البنيان.
وأقول، بشيء من الانحياز، إن هذه الكلمات هي عنوان البحرين، تاريخاً وتراثاً ومواطناً، ورغم تلك الملامح المهضومة والمحببة، لا تسلم البحرين من أذى النزاعات الفئوية والطائفية، ومن أطماع السياسة، ومن قسوة الجوار، تعاني من تحريضات تتجاسر على بنيانها التاريخي وشرعيتها المتوارثة وإنجازاتها الواضحة، في تحد لإرادة شعبها الهادئ والغيور على الطمأنينة، التي تعايش معها منذ قرون.
من حق السلطة أن تسهر على أمن الوطن، وتؤمن ديمومته، وترسخ استقراره، وتصون إرادته، فلا يمكن التساهل مع الأصابع الخفية، التي تستفز الشعب ضد المؤسسات الشرعية، فليس من الحكمة غض النظر عن النشاطات المدمرة، التي تستهدف اضعاف مرتكزات الدولة، كان ذلك بإيحاء من الخارج او حصيلة تداعيات محلية أفرزتها طموحات لا تستقيم مع سلامة الوطن.
البحرين وطن الجميع، تتعايش فيها المذاهب وتتجاوزها دون تطاول من طرف، وفق مبدأ المساواة، وحكم القانون، والإذعان لدستورية النظام، في بيئة متفاهمة يزينها الولاء للوطن والإذعان لمبادئ المساواة، والإيمان بدور الحوار في غرس التفاهم المتبادل، وتأكيد التشاور عبر قنوات منفتحة لا تضجر من غلاظة التعبير، وتنشد حسن النوايا، فيها الحرص القوي على الوصول إلى صيغ تحقق التوافق الاجتماعي، وتدشن إطاراً جامعاً مرحباً بكل الألوان وكل الاجتهادات، ومستوعباً هموم كل الطبقات وكل التصنيفات.
لا يمكن أن يفشل مشروع، إذا تحصنت الأطراف بالعزم على صوغ الوثيقة الشاملة، التي تشكل عهد التآلف المعتمد على الاقتناع الشعبي الشامل، ومن الانصاف دائما، ألا يغفل المتحاورون، وهم مشدودون بحدة الجدل، أن البحرين تظل بلدا منفتحا أكثر من غيره من دول المجلس، وتملك تجربة مثمرة في هضمها للأفكار، التي يصدرها الجدل السياسي العالمي، وتستقبل اصدارات متنوعة من الكتب والمجلات من دون عصبية الرقابة المتواجدة عند الآخرين، وأهلها أصحاب خبرة في تنوع المشارب، حافظوا على التواصل مع دول الجوار عربيا وغيرها، وتأثروا بالحضارات المختلفة، الأمر الذي منحهم ثقافة سياسية واعية.
وهنا لا بد من الاشارة إلى أن الأماني الكبرى لا تأتي من جولة واحدة، وإنما تظل مشروعا مستمرا تنمو حصيلته بمرور الزمن، وبحجم يتناسب مع امكانية البلد على الهضم، ولا يغيب عن البال املاءات التاريخ والجغرافيا، وهما العنصران اللذان يربطان البحرين بدول المجلس، وبنوع خاص من الترابط والتداخل، ليس في الجانب الاجتماعي، وإنما في جوانبه السياسية والأمنية والثقافية عبر املاءات لائحة المصالح وتعانق المصير.
فعلى من يتحاور أن يتقبل تواجد هذه الحقيقة واطلالها على أجواء الحوار والتفاوض، وتأثيراتها على مسار هذه الحوارات، فالأمن الخليجي واحد، تنهض بمسؤولياته جميع القوى داخل مجلس التعاون.
وهناك جانب لا أستطيع تجاوزه، فالبحرين دولة الوداعة، لا تناسبها غضبة التعبير الجارح، ولا تلائم مفردات السخط لا روح البحرين ولا جسدها، وكثيرا ما سمعت من كلام فيه احباط ومن كل الأطراف، فالتذمر صفة دائمة في حياة الانسان، غير أن صوغ إطار التعايش أمر مختلف، يستدعي استحضار كل آليات التهدئة والصبر والتصميم على أن التواصل الحضاري هو المخرج الذي سيأتي بالثمار.
أتذكر مفاوضات الأمم المتحدة، التي أحيانا تأخذ يوما كاملا للتوافق على جملة واحدة، كنا نضيق بسلوك الأطراف ونعتذر، فلا بديل عن المفاوضات، على أن يظل ممر الحوار البحريني منفتحا مقرونا بالتواصل الحكيم، فإذا غاب الكلام جاء الغضب، وضاع الوفاق، وتجلى الانشقاق.
-إلى اللقاء وسأعود يوم 15 أغسطس المقبل إلى هذه الزاوية.

*نقلاً عن "القبس" الكويتية

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات