النص المكتوب والارتجال

حلمي النمنم

نشر في: آخر تحديث:

تعرضت خطبة الجمعة «المكتوبة» إلى تندر وانتقاد شديدين، ليس بسبب ما يُثار اليوم فقط، لكن لأسباب تاريخية، ففى وقت من الأوقات لم يكن الخطباء قد درسوا العلوم الإسلامية، كان يكفى بعضهم حفظ عدة آيات من القرآن الكريم، والحد الأدنى من التعليم، كى يصعد على المنبر، وبعضهم كان يستعيض عن هذا النقص بالاستعانة ببعض الخطب المكتوبة سلفاً، وكان هناك عدد من الكتب القديمة تُطبع وتُباع فى المكتبات بحى الحسين بها العديد من الخطب المعدة وتصلح مع كثير من المناسبات الدينية أو السياسية، وكان ذلك سر التندر، إذ كثيراً ما صدرت مفارقات من بعض الخطباء، من بينها أنه لم يكن يقرأ النص قبل الصعود على المنبر، فيتلعثم فى القراءة، وقد تكون هناك عبارات تجاوزها الزمن، مثل الدعاء بالتوفيق للسلطان حسين كامل من أحد الخطباء فى عهد الرئيس السادات، وقد كنت فى المسجد وسمعت هذا الدعاء بأذنىَّ، وغير ذلك كثير.

وإزاء ذلك، ظهرت الخطبة المرتجلة، التى يغلب عليها الحماس الشديد والانفعال البالغ، وفى هذا الحماس قد تصدر عبارات لا يليق أن تُقال على منابر المساجد، وأحياناً قد تصدر عبارات خارجة، وفى عدد من الحالات يتم توجيه الخطبة سياسياً وفقا لتوجه الخطيب وأيديولوجيته الخاصة، وقد عانينا من ذلك طويلاً، بعض المنابر لُعنَ عليها أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب وفريد الأطرش وفاتن حمامة وعبدالحليم حافظ وكل رموز الفن المصرى والعربى، بأشد العبارات قسوة وغلظة، وجدنا كذلك مَن يسب نزار قبانى وإحسان عبدالقدوس وأنيس منصور ويوسف إدريس ونجيب محفوظ، وقبلهم جميعاً د. طه حسين وغيرهم وغيرهم، رغم أن الإسلام حذرنا من السب واللعن، أما فى السنوات الأخيرة فقد استمعنا إلى دعاء باللعن على شخصيات سياسية واجتماعية وفكرية، لمجرد أن الخطيب يختلف معها سياسياً وفكرياً، وتحولت بعض المساجد إلى ما يشبه المقار الحزبية والميليشاوية، غير ذلك فإن بعض الخطباء مع الحماس يأخذهم الارتجال إلى عبارات وأقوال بحق بعض الدول والشعوب تدخل فى مجال العنصرية البغيضة.

مع الارتجال، يحول البعض الخطبة إلى أغراض خاصة، حدث أن أحد الخطباء فى مسجد بأحد النوادى الكبرى، يعمل محامياً فى قضايا الأحوال الشخصية، وكان موكلاً بالدفاع عن شخص معروف، متهم بأنه جمع بين خمس زوجات فى وقت واحد، وخسر القضية، فإذا بالمحامى يخصص خطبة كاملة للهجوم الحاد على القضاة، ويتهمهم بالرشوة، وبأن القوانين المصرية باطلة وغير ذلك، ولما حاولت إدارة النادى منعه اتهمها بالعداء للإسلام.

وينسى الجميع أنه فى خطبة الجمعة ليس من حق المصلى أن يقف ويعترض على الخطيب، ذلك أنه فى كثير من المساجد يقف مقيم الشعائر، قبل بدء الخطبة، ليُذكِّر المصلين بالحديث النبوى الشريف: «إذا قال أحدكم لأخيه والإمام يخطب: (أنصت) فقد لغا، ومَن لغا فلا جمعة له...»، ثم ينصحنا مقيم الشعائر: «أنصتوا.. أثابكم الله»، وفى بعض الحالات التى وقف فيها أحد الأفراد معترضاً على ارتجال الخطيب حدث هرج ومرج داخل المسجد، ما أضر بروح الصلاة ومعناها.

باختصار الارتجال فى الخطبة له مخاطره ومحاذيره التى نعرفها ونلم بها جميعاً.

صحيح أن بعض الخطباء يجدون غضاضة فى أن يكون بيدهم نص مكتوب، فيبدو وكأنه يقرأ نصاً فُرضَ عليه وكُتب له، بعكس الارتجال الذى يبدو معه متألقاً ومبدعاً، وتتبدى ملكاته فى الارتجال وتلوين طبقات الصوت وغير ذلك.

والأمر المؤكد أن «الخطبة المكتوبة» على طريقة الخطب المحفوظة فى بعض الكتب القديمة لم تعد تصلح لهذا الزمان، ولا لمجتمع انتشر فيه التعليم واتسعت فيه مستويات المعرفة، وهذا يعنى أن تكون لدينا لجنة من العلماء تعد الأفكار العامة التى تليق بكل مكان، وفى اللحظة التى تمر بنا، وذلك أن الخطبة التى تُقال فى لحظة وفى منطقة تشهد احتداماً طائفياً غير الخطبة التى يمكن أن تُقال فى منطقة وفى لحظة مليئة بالتحرش بالفتيات، أو تنتشر فيها السرقات.

وبالتأكيد فإن الخطبة المعدة سلفاً سوف تشير إلى الفكرة المحورية التى تدور حولها، وما يتبعها من أفكار فى تسلسل منطقى وبناء عقل مترابط، ويقوم الخطيب بالتعبير عنها بجمال أسلوبه وبمفرداته هو.

منذ سنوات بعيدة، كنت أستمع إلى وكيل الأزهر الشريف، د. رؤوف شلبى، خطيباً، وكان يأتى ومعه مراجعه وأوراق مكتوبة، ينظر إليها ويفتح ما معه من مراجع يستشهد بها، بلا غضاضة منه ولا حرج، وكانت استفادتنا كبيرة.

أيها السادة، كفانا ارتجالاً فيما لا يجوز فيه الارتجال.
نقلاً عن المصري اليوم

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.