ناصريون أكثر من عبدالناصر

سمير فريد

نشر في: آخر تحديث:

أمس كانت ذكرى الانقلاب العسكرى الذى قاده جمال عبدالناصر وأطلق عليه الحركة المباركة، وعندما كتب طه حسين مقاله الشهير «بل نريدها ثورة» أصبحت الحركة ثورة 23 يوليو 1952. ليس صحيحاً أن طه حسين أطلق على الحركة ثورة، وإنما طالب بأن تتحول إلى ثورة تحقق ما طالب به فى كتابه «مستقبل الثقافة المصرية» عام 1937، وما حدث أن الثورة لم تحقق أياً مما طالب به فى ذلك الكتاب.

كان ما حدث يوم 23 يوليو 1952 انقلاباً «عسكرياً» كلاسيكياً، وكلمة انقلاب هنا ليست اتهاماً وإنما وصف: دبابات تخرج فى الليل وتحاصر قصر الحكم وغيره من المؤسسات، وتعلن مطالب قادة الانقلاب. كانت المطالب تطهير الجيش والبلاد من الفساد، فأيدها الشعب، وهل هناك شعب لا يؤيد العمل ضد الفساد؟ ولم يكن فى بيان الثورة إلغاء النظام الملكى ولا حل الأحزاب ولا أن يكون الحكم لحزب واحد، وهو الحزب الذى أطلقت عليه الثورة هيئة التحرير، وكان شعاره الاتحاد والنظام والعمل، وهو ترجمة حرفية بالنص لحزب «سالازار» الفاشى فى البرتغال، ثم تحول إلى الاتحاد القومى بعد الوحدة مع سوريا، ثم إلى الاتحاد الاشتراكى بعد فشل الوحدة وإعلان الاشتراكية، ثم إلى الحزب الوطنى الديمقراطى بعد وفاة عبدالناصر وتولى السادات، والذى استمر فى عهد مبارك حتى احترق فى ثورة يناير.

كانت ثورة الجيش والإخوان المسلمين، وليس أدل على ذلك من أن سيد قطب كان أول سكرتير عام لهيئة التحرير، وكان موعوداً بوزارة التعليم، فالإخوان لا يريدون دائماً سوى هذه الوزارة لتنشئة أجيال جديدة تؤمن بأفكارهم، ولكن وزارة التعليم ذهبت إلى كمال الدين حسين، من ضباط الثورة، وكان إخوانياً بدوره، ولكن الفرق بينه وبين سيد قطب أنه كان ضابطاً، ومثل أى حزب يحكم باسم الله أراد الإخوان الانفراد بالحكم، فبدأ الصراع مع الجيش، وكان لابد للجيش أن ينتصر، لأنه الذى يملك السلاح، أو بالأحرى لأن أسلحته أقوى من أسلحة الإخوان.

بعد ثورة يناير تحالف المجلس العسكرى مع الإخوان، ولكنهم مرة أخرى أرادوا الانفراد بالحكم، فثار الشعب فى يونيو، وانحاز الجيش إلى الشعب. والأصوات التى تطالب السيسى، اليوم، بأن يكون عبدالناصر جديداً هى أكبر خطر على حاضر مصر ومستقبلها، وهى تعلو كل يوم، خاصة فى المناسبات المتعلقة بالزعيم، مثل يوم ميلاده، ويوم وفاته، ويوم ثورته، وغيرها من المناسبات، وهى أكبر خطر، لأن عبدالناصر وثورته صفحة من التاريخ الذى مضى، والزمن تغير على نحو جذرى فى مصر والعالم العربى والإقليم والعالم كله، ولكنهم يتحدثون وكأن تلك الصفحة مستمرة فى الحاضر، بل ويمكن أن تصنع المستقبل، وهم يختارون من تاريخ عبدالناصر ما يحلو لهم، ويسقطون مثلاً هزيمة 1967، التى أدرك عبدالناصر معناها بينما لم يدركوه. ويسقطون بيان 30 مارس 1968، الذى أعلن فيه الانفتاح الاقتصادى الذى نفذه السادات. إنهم لا يعيشون فى الماضى وينفصلون عن الحاضر فقط، وإنما ناصريون أكثر من عبدالناصر!

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.