جوائز الدولة للمصفقين فقط!

طارق الشناوي

نشر في: آخر تحديث:

برغم أن الكاتب الصحفى وزير الثقافة والصديق العزيز قبل وبعد كرسى الوزارة حلمى النمنم، أكد لى أنه لم ولن يضع معايير مسبقة للجوائز، تصنف هذا عدوا للنظام فالجائزة أبعد إليه من رؤية حلمة ودنه، وذاك حبيب فالجائزة أقرب إليه من حبل الوريد، فأنا مدرك تماما أننا لا نعيش فى جمهورية أفلاطون وأن للدولة دائما وفى كل العهود حساباتها الأخرى، وأنه ليس مهما أن تكون مبدعا لتحصل على الجائزة هذه تقع فى المرتبة الثانية، الأهم أن تكون مواليا، وبالطبع ويا حبذا فى مثل هذه الأمور يفضل من يجمع بين الحسنيين، الولاء والموهبة.

كانت الكاتبة الصحفية اللامعة عبلة الروينى قد أشارت فى عمودها بالأخبار شيئا ما من شذرات ما حدث فى لجنة (الثقافة والإعلام والتراث) بمجلس الشعب، الوزير قال لى إنه لا يمكن أن يصرح بذلك، لأنه لن يتناقض مع قناعاته قبل وبعد الوزارة، وأن الكلمات ربما فى التناول الصحفى عبر بعض المواقع قد انتزعت من سياقها، وهذا هو السبب فى اللبس الحادث داخل الوسطين الأدبى والصحفى.

وأنا فى الحقيقة لن أناقش تلك التفاصيل، فالمؤكد ومنذ أن أصدر جمال عبدالناصر القرار الجمهورى بمنح هذه الجوائز عام 58، وهى أساسا توجه لمن يقفون مع النظام، أكثر من ذلك عندما اعترض المتخصصون وقتها على منح أم كلثوم جائزة الإبداع بحجة أن الصوت مهما بلغت عظمته هو فى النهاية مؤدٍ وليس مبدعا، تدخل عبد الناصر وحصلت أم كلثوم على وسام الجمهورية للفنون عام 65 وبعدها بثلاث سنوات نالت جائزة الدولة التقديرية. لا أوافق بالطبع على اعتبار أن الصوت الاستثنائى مثل أم كلثوم لا يعد مبدعا، ولكن أرى تلك الواقعة بزاوية أخرى، كعنوان صارخ لتدخل السلطة السياسية فى فرض قناعتها على أهل العلم والاختصاص، وللتذكرة أشهر من أبدعوا الألحان على حنجرة أم كلثوم مثل محمد القصبجى وزكريا أحمد لم يحصلا على التقديرية، بينما رياض السنباطى حصل عليها فى زمن السادات!!

هل نستعيد معا حكاية الكاتب الروائى صنع الله إبراهيم وما فعله على الهواء فى المسرح الصغير بدار الأوبرا المصرية عام 2003؟ لا بأس نستعيدها، عندما أرادت الدولة أن تحتويه وتستقطبه مع زمرة المؤيدين من الأدباء، فقرر هو بدهاء أن يتلاعب بالدولة، اتصل به وقتها د. جابر عصفور، أمين عام المجلس الأعلى للثقافة، وقال له جائزة الرواية العربية لك هذا العام وقدرها 200 ألف جنيه والرقم مغر جدا؟ صُنع الله قرر أن يتظاهر بإعلان الموافقة بل والسعادة، لأنه كان يريد أن يصل صوته للناس جميعا أنه يرفض الحصول على جائزة فى دولة مبارك، وانتظر حتى لحظة صعوده على خشبة المسرح، وكان يقف على الميمنة فاروق حسنى والميسرة د. جابر عصفور، ليعلن رفضه للجائزة فى ظل حكم دولة فاسدة، تابع تداعيات ما حدث بعدها، كانت الدولة تستعد لتقديم روايته (اللجنة) بعد أن أعدها مسرحيا مراد منير وبدأ نور الشريف البروفات فجأة صدرت التعليمات بإيقاف العرض، الأسبق والأخطر من كل ذلك أنه بعد أن رفض صنع الله الجائزة، أعلن عدد من كبار الأدباء وبالمناسبة من الموهوبين، استعدادهم فورا لاستلام الجائزة لحفظ ماء وجه السلطة، كانت الدولة من بعدها تتردد كثيرا فى منحها لأحد مشكوك فى ولائه، وهكذا عندما توجهت وزارة الثقافة لمنح جائزة مبارك للمخرج يوسف شاهين حصلوا منه ومن أهله وعشيرته أقصد تلاميذه وأصدقائه على تعهد بأنه لن يرفضها ولن يفضحهم عالميا، وكان يوسف شاهين قد قرر أن يودع قيمة الجائزة 200 ألف جنيه، فى وديعة تذهب حصيلتها لأوائل معهد السينما، وهكذا لم يجد بأسا وقتها عام 2007 قبل رحيله بعام واحد من قبول جائزة تحمل اسم مبارك.

وتكتشف أنها ليست الدولة فقط لديها قانونها الصارم، ولكن مثلا فاروق حسنى كان يملك أيضا مفتاح الضوء الأخضر، الروائى الكبير الراحل جمال الغيطانى كان مستبعدا من جائزة الدولة التقديرية بسبب غضب فاروق لأنه كان كثيرا ما ينتقده، وفتحت جريدة ((القاهرة)) التابعة للوزارة أكثر من مرة النار عليه، ولكن لسبب أو لآخر خفتت حدة الخلاف، ومنحت له جائزة الدولة التقديرية، كان يستحقها عن جدارة لعطائه الأدبى المتميز، وكتب حلمى النمنم وقتها فى مجلة ((المصور)) أن فاروق حسنى باعتباره وزيرا للثقافة، رفع يده مؤيدا لترشيح الغيطانى، وبعدها تتابع رفع الأيدى، وربما تجد فى رفع يد فاروق حسنى نوعا من الانتقام الناعم، فهو يريد أن تصل الرسالة للغيطانى بأنه كما منع عنه الجائزة طوال السنوات الماضية يستطيع بإشارة منه أن يمنحها له الآن.

التصويت على جوائز الدولة تشوبه الكثير من الأخطاء ليس فقط لأن نسبة تصل إلى 20% ممن لديهم حق التصويت بين موظفى الوزارة، ولكن لأن هناك عقيدة راسخة فى ثقافة المجتمع المصرى، ومع الأسف قطاع وافر من المثقفين يطبقونها حرفيا، تقضى بأنه لا يجوز منح جائزة أو تكريم لمن لا ترضى عنه السلطة أو ما قد يتصور البعض ولو من بعيد لبعيد أنه لا يحظى بدفء الدولة.

الخطأ لم يكن فى كلمة قالها أو أخذت من سياقها من وزير الثقافة، ولكن حتى لو لم يقلها الوزير صراحة، فإن الجوائز لا يمكن أن تعرف الطريق لصوت معارض!!

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.