ليلة القذافى الأخيرة

يوسف القعيد

نشر في: آخر تحديث:

لا يذهب خيالك إلى أن رواية: ياسمينا خضرا، الأخيرة عنوانها: ليلة القذافى الأخيرة. أن عنوانها: ليلة الريس الأخيرة. وكلمة الريس على غلاف الرواية مشكولة بشدة رغم أنهم نسوا أن تكون شدة مكسورة. وبذلك يضع المؤلف نفسه ـ والقارئ معه - فى أول تناقضات الرواية. فكلمة الريس مفردة مصرية. وهى النطق العامى لكلمة أو وصف الرئيس فى غير العامية المصرية. وذلك يعنى أن المؤلف لم يتوقف طويلاً أمام وصف بطله. لأنه من المعروف أن معمر القذافى منذ أيامه الأولى فى السلطة. ورغم تجبره وديكتاتوريته وفرديته فى الحكم. بل وحرّاسه من الفتيات الفاتنات. كان يفضل أن يناديه أبناء شعبه بتعبير: الأخ العقيد. وكان حريصا على هذا المسمى رغم مجافاته للحقيقة. لقد استغربت شجاعة الروائى لحد التهور. عندما وقف أمام حكاية روايته. وقرر خوض الكتابة فيها. خصوصا أنه لا يكتب قصيدة شعرية. أو كتابة تاريخية. ولكنه يكتب رواية. والرواية كما قال لنا علماء اجتماع الأدب الروائي. فهى فن التفاصيل الصغيرة. لدرجة أن روائيى القرن التاسع عشر ـ وهو قرن الرواية الكلاسيكية الكبرى الممتعة والتى ما زالت تحظى بقبول القراء حتى الآن - كانوا يتحدثون عن التجربة التى يفضل أن يمر بها الروائى ليكون قادرا على خلق نص روائى مليء بالتفاصيل الصغيرة.

طبعا لن أطلب من صاحب الرواية. أن يمر بتجربة القذافى التى مر بها فى ليلته الأخيرة. كلنا نعرف أن معمر القذافى قد قُتِل. وترك عالمنا ولم يترك سوى بعض الروايات الصحفية عما جرى له. بل إن الدنيا تابعت عملية قتله وبالطريقة التى تمت بها. موضوع صعب وعصيب ويتطلب من روائى حقيقى جهدا ضخما يصل لحدود معانقة المستحيل.

لن أنسى أننا نعيش عصرا مغسولا من الأسرار. لا أسرار فيه. وكل ما يحدث إما أن يكون على الهواء مباشرة أو تكون الكاميرا قد تسللت له بصورة أو بأخري. علانية أو سرا. بالتالى فإن الحدث يمكن أن تراه بالصوت والصورة إما لحظة وقوعه. أو بعدها بأيام طالت أم قصرت. أما زمن الأسرار فقد ولَّى إلى غير رجعة. وهذا جزء من طبيعة العصر.

لا أطلب من الروائى كتابة رواية تاريخية أو أن يمر بنفسه بالتجربة التى يمر بها أبطال روايته. لأن هذا من رابع المستحيلات. هذا إن كان يمكن وصف ما كتبه بالرواية. مع أن ما جرى للقذافى فضلاً عن أنه لا يمكن وصفه بالسرية. فربما كان القذافى من أكثر الرؤساء العرب الذين تركوا كتابات كثيرة بعد رحيله. فى المقدمة منها الكتاب المترجم: الطرائد. ويدور حول حكايات الفتيات الصغيرات اللاتى كن يعجب بهن القذافى فى جولاته. خصوصا عندما كان يزور مدارس البنات. كان من عادة القذافى أن يقترب من الفتاة التى تعجبه. وأن يضع يده بالقرب من رأسها. وكانت الإشارة المتفق عليها. فيعرف حراسه أنها وقع الاختيار عليها وأصبحت مطلوبة للأخ العقيد. فيأخذونها ـ بطريقة أو بأخرى ـ إلى أحد قصوره. وكتاب الطرائد اعترافات وحكايات لفتيات كثيرات أخذن بهذه الطريقة.

ما نحن بصدده الآن شيء يسمى رواية. لا يخرج عن كونه «قص ولصق» لبعض ما نشرته الصحف. وبعض وكالات الأنباء على سبيل وصف ما جرى للقذافى فى أواخر عمره وأواخر حكمه. ومن الواضح أن مصدر الروائى كان ما جاء فى وسائل إعلامية بالدرجة الأولي. واللجوء إليها ليس عيبا ولا هو جريمة. بشرط أن توضع المادة المأخوذة من الصحف فى سياقها الروائي. والأهم هو إعادة خلقها وجعلها جزءا من جو أدبي. أى يتحول الصوت لكلمة والصورة لوصف. لأن لكل شكل أدواته التى تختلف من شكل لآخر. ومما يؤكد هذا الغرام بالإعلام المسموع والمرئى والمقروء أن الترجمة العربية للرواية تتصدرها عبارة تجارية تقول «من أكثر الروايات إثارة» وهذه العبارة منسوبة إلى تليفزيون فرنسا 24، والغلاف الخلفى مكتوب عليه ـ فى الترجمة العربية ـ: ياسمينا خضرا قادر على أن يكتب عن الإنسان أينما وجد. وأن المؤلف منحته الأكاديمية الفرنسية جائزة الآداب هنرى غال 2011، وأن روايته ترجمت إلى أكثر من 42 لغة. وعندما أقرأ سباق أعداد اللغات التى تُرجم لها هذا العمل أو ذاك فى سياق البحث عن الرواج التجاري. أتذكر مثلاً كان يقال يومياً فى قريتي: العدد فى الليمون.

الرواية مكتوبة بضمير المتكلم. مونولوج طويل يقوله الروائى على لسان معمر القذافي. ومن الطبيعى أن نقرأ جملاً كثيرة فيها الإحساس بالعظمى الذى كان يبدو من سلوكيات القذافى:

أنا معمر القذافي، هذا وحده من شأنه تعزيز الإيمان.

أنا الذى بواسطته يأتى الخلاص.

لا أخشى الأعاصير ولا حالات التمرد والعصيان.

نقلا عن "الأهرام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.