هل هم فعلاً عباقرة؟!

عباس الطرابيلي

نشر في: آخر تحديث:

هذه الدرجات النهائية - أقصد المجاميع الرهيبة - فى الثانوية العامة تؤكد أن طلابنا عباقرة.. بدليل حصولهم - تقريباً - على الدرجات النهائية والكاملة فى كل المواد.. فهل تدل على قدرة طلابنا العالية على استيعاب أحدث العلوم والمعارف، أم هى طريقة تعليمنا «الفذة» التى تقوم على الحفظ والتلقين.. دون الفهم والاستيعاب؟.. وما معنى أن يحصل طالب على 99.7٪ من الدرجات.. ألم يخطئ؟.. وإذا كان هذا ممكناً فى المواد العلمية، مثل الكيمياء والأحياء والرياضيات والهندسة.. فهل يمكن أن يتحقق ذلك فى اللغة العربية، وبالذات موضوعات التعبير والوصف والأدب.. وكذلك أيضاً فى اللغات الأجنبية؟.. أقول ذلك لأننى أشك كثيراً فى أن يحصل طالب على الدرجات النهائية فى اللغات والقواعد والتعبير.. اللهم إلا إذا كان يحفظ نماذج محددة لا يحيد عنها.

وهل تقول لنا نسبة النجاح فى شعبة العلوم، وهى الأعلى بين الشعب الثلاث، إنهم عباقرة يتفوقون على نظرائهم فى الدول المتقدمة، بدليل أننا لم نسمع عن حصول طالب - فى هذه الدول - على الدرجات النهائية.. وأن نسبة النجاح والتفوق فى شعبتى الرياضة والعلوم - حصلوا على ما بين 95٪ و98٪؟ وإذا كان هذا التفوق طبيعياً فلماذا يتعثر معظمهم فى الدراسة الجامعية، بل لم نعد نسمع شيئاً عن الذين حققوا هذه الدرجات النهائية فى السنوات الماضية.. أم أنهم سرعان ما يتساقطون كأوراق الخريف التى تسقط مبكراً.. ولا تعمّر حتى تصل بهم الحياة إلى أشهر الخريف الفعلية؟!

ثم.. ما هو مصير من حصلوا على 95٪ مثلاً.. وأين يذهبون.. مادامت أبواب كليات القمة قد أغلقت أمامهم.. وبالتالى ليس لهم مكان فيها.. أم أننا - بذلك - ندفع بهم دفعاً إلى الجامعات الخاصة.. وأيضاً المعاهد العليا الخاصة، حيث تكاليف مصروفاتها تحسب بعشرات الألوف، بل إن بعضها يشترط سداد المصروفات بالعملات الحرة.. وقد تتنازل بعضها فتقبل تسلم المصروفات المقررة بالدولار.. بما يقابل هذا الدولار بالجنيه المصرى، ويحسب ذلك حسب سعر الدولار يوم فتح باب السداد؟.

وأصبح ولى الأمر المصرى لا يعرف كم يدفع بالضبط.. لأن الأمر كله بات مرهوناً بسعر الصرف فى السوق الفعلية للعملات.. وللأسف، بعض جامعاتنا المصرية - الخاصة - بدأت تشترط الدفع بالعملات الحرة.. وهنا أقول إننى تعلمت - طوال عمرى - فى الابتدائى والثانوى والجامعة ولم أدفع واحداً بالمائة مما تحصل عليه أى جامعة الآن، فى فصل دراسى واحد!!.

وأتذكر أننى حصلت فى الثانوية العامة عام 1957 على 76٪، ورفضت أن أكتب فى الرغبات إلا رغبة واحدة هى «آداب القاهرة» لألتحق بقسم الصحافة.. وقد حصلت على ما أريد!! عندما كان هذا القسم له سمعته الكبرى.. وكان عددنا فى الدفعة أقل من 50 طالباً.. وهذا المجموع الآن لا يُدخل الطالب حتى مجرد معهد خاص فى شبراخيت أو كفر البدماص وما على شاكلتهما من المعاهد التى لا يذهب إليها الطالب إلا لأداء الامتحان.. وبالطبع سوف ينجح مادام يدفع المصروفات، وما أكثر هذه المعاهد - بالذات - التى قامت بهدف الربح.. وهى، للأسف، تحظى برعاية ومباركة وزارة التعليم العالى.. وتصديقها على شهاداتها.. المهم أن هذه المعاهد تمنح درجة البكالوريوس.. وكله من عائلة الفقوس!!.

■ ■ كل ذلك لأننا بالفعل «بلد شهادات» وبلد تراب الميرى.. ويموت الواحد من أجل هذه الشهادة.. ويصبح عالة على الدولة التى عليها أن تدبر مئات الألوف من فرص العمل سنوياً.. ليتكدسوا فى مواقع العمل بلا عمل حقيقى.. وبلا أى إنتاج يفيد البلد والناس. تماماً كما يتكدس الطلبة فى الفصول التى يتجاوز متوسط عدد الطلبة بالفصل الواحد فيها المائة طالب!!.

■ ■ أقولها صراحة: لن تتقدم مصر إلا إذا غيرنا نظام التعليم فيها.. لنتحول من نظام يخرّج لنا جيشاً جراراً من الموظفين، إلى وطن حقيقى يلبى نظامه التعليمى ما يحتاجه الوطن.. وليس شرطاً أن يكون الطريق ماراً بأى جامعة.. إذ رُبَّ مدرسة فنية عالية المستوى توفر للبلاد ما تحتاجه من فنيين حقيقيين وليس مجرد باشمهندسين: لا يفهمون فى الهندسة.. ولا فى مسك المفك والمنجلة.. وما حاجتنا إلى «منجلة» تعطى وتنتج، والنبى كفاية باشمهندسين.. أو حتى باشكاتب.

■ ■ ومفيش داعى بالمرة - لكل كلمة تسبق المهنة.. يعنى لا باشويش ولا باشتمومرجى.. ولا حتى باشحكيم، أو باش شماشيرجى!! وكفاية ألقاب.. ياباش فراعنة!!

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.