بين المواطنة والطائفة

عماد جاد

نشر في: آخر تحديث:

تبنى العلاقة بين المواطن والدولة فى النظم السياسية الحديثة على عقد اجتماعى ممثلاً فى الدستور، تحدد مواده طبيعة النظام السياسى وحقوق وواجبات المواطن، وتجرى ترجمة هذه المواد فى قوانين تصدر عن البرلمان، أياً كان مسماه، لتقضى بموجبها السلطة القضائية وتفصل فى القضايا المطروحة أمامها، ثم تتلقف السلطة التنفيذية ما يصدر من أحكام قضائية لتقوم بتنفيذها.

تنص دساتير الدول الديمقراطية المدنية الحديثة على المساواة بين المواطنين فى الحقوق والواجبات، وعلى المساواة بغض النظر عن الجنس، الدين، العرق، المكانة الاجتماعية، فكل من يحمل جنسية البلد المعنى له كامل حقوق المواطنة، وعليه كافة الواجبات المفروضة على المواطنين، وهو أمام القانون متساوٍ مع غيره من المواطنين، وأيضاً لا تمييز بين المواطنين بسبب اللون، الجنس، الدين، الطائفة والمكانة الاجتماعية.

ولا يخرج دستور بلادنا الصادر عام ٢٠١٤ عن الخط العام لدساتير الدول الديمقراطية المدنية الحديثة، فقد نص فى المادة الأولى على قيمة المواطنة وأن النظام يقوم على أساس المواطنة، وفى المادة التاسعة نص على عدم جواز التمييز بين المواطنين، وفى المادة الثالثة والخمسين على المساواة بين المواطنين فى الحقوق والواجبات. هذا من ناحية النصوص الدستورية، لكن الممارسة على أرض الواقع مغايرة تماماً، كما أن أجهزة ومؤسسات الدولة بنت سياساتها وفق رؤى تمييزية حادة بين المواطنين على أساس الجنس، الدين، الطائفة والمكانة الاجتماعية. وفيما يخص التمييز على أساس الدين بدا واضحاً أن مؤسسات الدولة وأجهزتها المختلفة تمت هيكلتها بطريقة تمييزية ضد الأقباط، فهناك أجهزة حساسة فى الدولة لا يوجد فيها أقباط، وتتسم رؤية القائمين عليها تجاه الأقباط بالتبسيط المخل والتعميم المعيب، وهناك قطاعات داخل هذه الأجهزة بنيت على أساس الانحياز الدينى (إدارة مكافحة التمييز بالأمن الوطنى). ويأتى كل ذلك انطلاقاً من رؤية تتعامل مع الأقباط باعتبارهم طائفة أو ملة يجرى اختزالهم فى ملف يوضع بيد الأمن، ويعبر عنهم كبير الطائفة، يجرى الاتصال به وترتيب الأمر معه، ووفق رؤية محددة يجرى استقطاب بعض من رموز هذه الطائفة من أصحاب «نفسية الذمى» كى يقوم بالترويج لمقولات من نوع كله تمام، نحصل على حقوق المواطنة بالكامل، لا يوجد تمييز ولا تفرقة، نعيش أزهى عصورنا مع الحاكم الفلانى، كل ذلك لقاء مكاسب شخصية من تلك التى تدخل فى دائرة «ربح العالم».

والقضية لا تتوقف عند حدود النظام وأجهزة السلطة، بل تتجاوز ذلك لتعبر عن ثقافة مجتمعية ونشير هنا الصياغة المادة ٢٣٥ من الدستور القائم والتى تتحدث عن إصدار قانون بناء وإصلاح وترميم الكنائس، فقد تبنت لجنة الخمسين التى عدلت الدستور أن تخصص مادة انتقالية لإصدار قانون خاص بالكنائس، وذلك بدلاً من أن يكون القانون خاصاً بدور العبادة ككل، وهو ما تم النص عليه فى المادة ٢٣٥ فأصبح لدينا قانون لتنظيم بناء المساجد وآخر للكنائس ولا يوجد قانون للمعابد اليهودية بسبب عدم وجود يهود، وبما أن الدستور يحدد للمواطنين الأديان المسموح لهم اعتناقها وهى الإبراهيمية الثلاثة (اليهودية، المسيحية والإسلام) فلا مجال أى مواطن مصرى يعتنق عقيدة أخرى لأن تكون له دور عبادة أو يسمح له بممارسة شعائرها. والمسئولية تقع على عاتق من كتبوا الدستور أو عدلوا مواده، فبعض من الذين يلطمون الخدود اليوم على ضياع قيمة المواطنة بسبب استصدار قانون خاص بالكنائس وليس دور العبادة يتحملون مسئولية ذلك لأنهم نصوا على ذلك صراحة فى المادة ٢٣٥.

وللحديث بقية.

نقلاً عن الوطن

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.