البكاء الذي لا معنى له

جهاد الزين

نشر في: آخر تحديث:

التطور الإيجابي الصامت في الأشهر والأسابيع الأخيرة ربما يكون في تناقصِ قوة "لوبي الحرب" السورية الذي يضم عناصر تعبوية متصارعة ولكن متفقة على استمرار الحرب. ليس من حربٍ يمكن أن تبدأ مسار توقفها إلا بمرورها في، أو تواكبِها مع، إضعاف اللوبي التعبوي الذي يرعى استمرارها.

هذا ليس لوبي دول بل أشخاص أيضاً. لكن الدول وحدها قادرة على تغيير مواقف الأشخاص أو عزلها. ولا ننسى أن الحرب السورية أنتجت بيئاتٍ "جديدة" ذات مصلحة في استمرارها.

أقرأ ردود الفعل على مأساة حلب المستمرة فلا أرى سوى مزيج من الإنسانوية التعبوية والسطحية والتواطؤ مع طرفي الصراع، دولاً ومنظماتٍ.

حلب في نكبة، ربما الأولى بهذا الحجم خلال ألف عام بل أكثر، منذ فُتِحت معركتها في اليوم الأول لعسكرة الثورة السورية أواخر عام 2011. فمنذ اتخذ رجب طيِّب أردوغان مدعوماً من الغرب قرار فتح المواجهة على حلب، المدينةُ هي ضحية رمزين متصارعين ووراءهما حلفاؤهما: أردوغان والنظام السوري.

بكينا كثيرا على حلب في السنوات الأخيرة. كما بكينا على حمص ودساكر أخرى. البكاء الذي لا معنى له:
لا معنى لأنه لا يجيب على سؤال رئيسي واحد بل الوحيد: أليس وقف الحرب هو الحل الوحيد لإنقاذ المدينة إذا كان الهدف إنسانياً وحضارياً بالنسبة لنا، نحن (ما تبقى من) سكان المنطقة الشامية العراقية.

لا أحد يريد أن يسمع هذه الكلمة: وقف الحرب حتى لا ترغمه الكلمة على الخروج من لغته السياسية.

نبكي اللامعنى واللاجدوى السياسيّين لبكائنا حتى لو أن العالم، وليس فقط المنطقة، لم يعد هو نفْسَهُ بعد الحرب السورية. لا سوريا ولا العراق ولا العالم العربي ولا تركيا ولا أوروبا التي تبيّن أن هذه الحرب طرحت أو ساهمت بتصعيد أزمة هويتها.

لم نكن نعرف أهمية سوريا العالمية إلا بعد خرابها. كيف كان لنا أن نعرف أن سوريا بالجغرافيا السياسية "العميقة" هي جزء من الجغرافيا الأوروبية؟ وكاتب هذه السطور لا يكفُّ عن التكرار أن الأزمة السورية تبدو من منظور ما يحدث في أوروبا، إرهاباً ولجوءا وسجالاً، وكأنها انفجار "ولاية سوريا" في الامبراطورية الرومانية القديمة. ربما كان المؤرخ البريطاني الراحل أرنولد توينبي سيوافق على "أوروبية" سوريا - وحلب مفتاحها الأول في الشمال - وهو الذي وصف سوريا أمام نخبة لبنانية راقية عام 1957 في بيروت بأنها مرافئ البحر ومرافئ الصحراء التي يعبر منها الغزاة. حيفا وعكا وصور وبيروت وطرابلس مرافئ البحر، ودمشق وحمص وحماه وحلب مرافئ الصحراء.

بعض أقسى الفكاهة السوداء التي سمعتها منذ بدأ تدفق اللاجئين السوريين على لبنان بعد عام 2011 هو قول أحدهم إن لبنان أخرَجَ الجيشَ السوري من أراضيه عام 2005 فجاءه "كل" الشعب السوري بعد عام 2011. هذه سخرية موفقة على 14 آذار ولكنها كاستنتاج غير صحيحة. لأن الجوهري في العلاقة اللبنانية السورية منذ ارتسام شخصيّتي الكيانَيْن السوري واللبناني أن أزمات سوريا تولّد دائما تدفقاً سورياً سياسياً أو عسكرياً، ودائماً له وجه ديموغرافي. لا ديموغرافيا الفقراء غير المتعلمين فقط الذين يقومون بأشغال ذات رواتب منخفضة، بل أيضاً ديموغرافيا النخب التي تحمل معها خلاصة الذكاء السوري الكامن وتضُخه في التجربة اللبنانية. أليست نخب الهجرة الحلبية منذ العشرينات، وخصوصاً المسيحية، إلى لبنان ساهمت في رفد النخب المحلية بأسماء وطاقات لا داعي لتعدادها في كل المجالات. إلى الهجرات القسرية للنخب المتعددة الطوائف، وخصوصا المسلمة بعد الاضطرابات في الخمسينات والستينات إلى اليوم وإن كان غياب استراتيجية وطنية لبنانية (كالعادة) ساهم في عدم الاستفادة اللبنانية من النخب السورية المهمة التي جاءتنا بعد عام 2011 وغادرتنا، معظمها، إلى الغرب. حتى أن وزيراً صديقاً أوقف إعطاء إجازات عمل لأساتذة جامعيين طلبتهم جامعة كبيرة وحقيقية. أظن هذه معالجة لجسم المشكلة في الموضع الخطأ. وأتمنى لو يقرأ الوزير الصديق المعني بأي طرح موضوعي كيف تعالج الصحافة الألمانية موضوع اللاجئين السوريين الجدد وغيرهم في ألمانيا. الصدمة تبدو صدمتين هناك: ليس فقط صدمة الخوف من انفلات هذا التدفّق الخطير بل أيضا صدمة الترحيب بالكفاءات الآتية والتي ستزداد كفاءة وإضافتها لتطور الاقتصاد الألماني في بلد استقبل إرادياً حوالي مليون لاجئ في السنوات الأخيرة.

صحيح أن الإرادة الدولية منذ الاتفاق النووي الإيراني الأميركي نقلت الوضع السوري (وصار العراق امتداده وليس العكس كما كان في السابق) من بيئة حربية للحرب إلى بيئة سلمية للحرب، أي بدء البحث عن حل سلمي، غير أن شعار وقف الحرب بأي ثمن لم يستحصل بعد على شرعيته ولا على مساحته الفعالة وإنْ كانت الأمور تتجه نحو استحصاله ذلك بصورة من الصور. (روبرت كينيدي الابن انضم في مقال له في "بوليتيكو" في شباط الماضي إلى دعاة تبنّي نظرية المؤامرة في رؤية الحرب السورية).

حلب، وقبلها حمص، هما عنوانا الثورة المدنية التي لم تتعسكر فقط بل تحوّلتْ إلى حرب عبثية.

على أي حال ليس تفاقم هذه الحرب ومآسيها هو الذي سيوقفها بل تحوُّلٌ في العلاقات الدولية أخذ "ينهي" وظيفتها.

الوضع الأوروبي، التأزم الداخلي التركي، بعض التقدم في التفاهمات الأميركية الروسية، كل هذه العوامل تعزز البحث عن حلول ولكنها لا تضمن حصول حلول في أزمة صارت معقدة سياسياً وميدانياً.

حلب اليوم هي رأس جبل الأزمة السورية. "عاصمة" الحرب إذا جاز التعبير وهو جائز. وهي حتما عاصمة أحزاننا السورية بكل المعاني. لكن وحتى إشعار آخر تبقى مدينة الرقة هي "عاصمة العالم".

* نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.