ما فائدة اغتيال علي جمعة؟

عبد الله جمعة الحاج

نشر في: آخر تحديث:

في الأسبوع الأول من أغسطس 2016 تعرض الشيخ علي جمعة مفتي مصر السابق لمحاولة اغتيال آثمة وهو في طريقه إلى المسجد القريب من المنطقة التي يسكن فيها لأداء خطبة وصلاة الجمعة.

وأعلنت مجموعة تنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين في مصر تسمي نفسها «سواعد مصر - حسم» مسؤوليتها عن المحاولة، فلماذا يريد «الإخوان» تصفية الشيخ علي جمعة جسدياً؟، وهل يخدم ذلك قضية الإخوان المسلمين في مصر في شيء، أم هو نهج متبع...وكفى؟ والجواب عن هذا السؤال بسيط وهو أن الجماعة في مصر اتبعت طريق اغتيال السياسيين منهجاً لها منذ بداية تأسيسها وخوضها في مجالات السياسة، وذلك ضمن قيامها بتصفية كل من يخالف فكرها أو يقف أمام سعيها الدؤوب للوصول إلى السلطة والثروة، وما الشيخ علي جمعة سوى واحد فقط ضمن سلسلة طويلة من الاغتيالات الفعلية ومحاولات الاغتيال الفاشلة التي اقترفها الإخوان وحركات التطرف والإرهاب الأخرى.

إن واحدة من أخطر حركات التطرف التي تسعى للوصول إلى السلطة بشكل مكثف هي جماعة الإخوان، فمن أقصى دول العالم العربي والإسلامي غرباً مروراً بمصر وسوريا وبلاد الشام الأخرى ودول الخليج العربي وباكستان والهند وانتهاءً بدول جنوب شرق آسيا وتحديداً ماليزيا وإندونيسيا، تسعى هذه الجماعة وإن اختلفت أسماؤها وألوانها للوصول إلى السلطة عن طريق استخدام وسائل الإرهاب والعنف بشكل مكثف. وفي مصر بالتحديد وجدت الجماعة نفسها منذ أواخر ثلاثينيات القرن العشرين في تصادم مع السلطات الحاكمة.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية شنت الجماعة حملة اغتيالات واسعة في أوساط الوزراء والمسؤولين ورجال السياسة والفكر الذين لا ينتمون إليها. وكردة فعل على ذلك تم اغتيال حسن البنا مؤسس الحركة بعد أشهر قليلة من انتهاء الحرب على أيدي مخابرات سلطات الاحتلال كما أشيع، ومنعت الجماعة من مزاولة نشاطاتها العلنية لكنها كحركة سياسية استمرت في العمل سراً ولعبت دوراً كواحدة من القوى التي شاركت في تشكل بيئة سياسية نجحت في أجوائها حركة الضباط الأحرار في الوصول إلى السلطة عام 1952، ولكن في عام 1954 منعت الجماعة من مزاولة نشاطها السياسي العلني بعد اكتشاف مؤامرة كانت تحيكها لاغتيال الرئيس الأسبق جمال عبدالناصر. وأدت الإجراءات الصارمة التي اتخذها النظام ضدها وضد أعضائها إلى اختفائهم من سطح الحياة السياسية، حيث اعتقل عدد من أعضائها، وتم تنفيذ أحكام بالإعدام في آخرين، وتشرد العديدون ووصلت فلولهم إلى دول عدة، لكن الواقع هو أنه لم تتمكن النظم العربية الحاكمة من القضاء عليهم، وظلت الجماعة تنشط سراً في مصر، وسوريا، والأردن، والسودان، وفلسطين، والكويت، وتونس، أو علانية وعادت الجماعة إلى الظهور العلني في مصر في أواخر سبعينيات القرن العشرين عندما شرع نظام أنور السادات في السماح لتجربة قصيرة من الليبرالية السياسية، وتضمنت تجليات عودة ظهور أعضاء الجماعة لممارسة نشاطاتهم العلنية في إعادة إصدار مطبوعاتهم الإعلامية وتزايد موجة العنف السياسي، خاصة في أوساط طلبة الجماعات المعاهد العليا، لكن نظام السادات عاود قمع معارضيه السياسيين عام 1981، ولم يسلم «الإخوان» من ذلك وأعيد منع نشاطهم العلني.

إن قتل الشيخ علي جمعة أو غيره من علماء المسلمين المعتدلين لن يفيد الإخوان المسلمين شيئاً من الناحية السياسية، فسمة الاعتدال موجودة وراسخة، واختفاء شيخ دين أو عالم من علماء المسلمين سيتلوه ظهور آخرين أكثر اعتدالاً وفهماً لروح الإسلام وطبيعته السمحاء، لكن المهم في الأمر هو أن ما يقوم به الإخوان حالياً في مصر من إرهاب وعنف وتكفير للآخرين بعد إزالتهم من السلطة من قبل الشعب المصري ليس سوى مظهر من الفكر العقيم القائم على البراجماتية الجديدة، فالغاية لديهم تبرر الوسيلة، وهي الوصول إلى السلطة السياسية بأية وسيلة كانت، وكل ما عدا ذلك ليس سوى وسائل تكتيكية توصل إلى الهدف المنشود. سلمك الله أيها الشيخ الجليل وأطال في عمرك ذخراً وسنداً للاعتدال.

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.