ذهبية في طابور.. اللاجئين

عبدالله بشارة

نشر في: آخر تحديث:

خرجت صحيفة القبس يوم الأحد الموافق السابع من أغسطس الجاري، وعلى صفحتها الأولى صورة للوفد الكويتي الرياضي في «ريو» الحالم بالمشاركة في الأولمبياد العالمية، وهي صورة معبرة عن مستوى الانخفاض الذي وصلت إليه سمعة الكويت الرياضية، وتحمل واقع رفض مسؤولي الحركة الرياضية العالمية تواجد الكويت في المنصة الرئيسية وإلحاق المجموعة الكويتية بالطابور تحت العلم الأولمبي المخصص للاجئين.
ولم تعبأ مجموعة الرياضيين الكويتيين الذين ذهبوا للمشاركة ولو بصفة شخصية، وعلى حسابهم الخاص، بهذا التدبير المخزي الذي لا يستقيم مع مقام وطن فريد، لكن الغيرة الوطنية أخذتهم وأقلعت بهم إلى تلك المدينة البعيدة، متحدين الأصابع التي تلعب بخيوط الرياضة في الكويت وترقّصها وفق منظور المنافع، وغير عابئين بالحيرة التي شلت الأجهزة الرسمية العاجزة عن تصويب الحركة الرياضية وتعديل أوضاعها وفق قواعد واضحة ومنفتحة، تضع حداً للطلاسم التي تخيم على واقع الرياضة.
لا شك أن المجموعة الرياضية على علمٍ بأنها ستواجه في مدينة ريو دولاً كبرى، ودولاً أخرى من أحجام مختلفة، لكنها ستقرأ أسماء غريبة وأسماء مجهولة تشير إلى جزر نائية في المحيطات وكيانات مجهولة.
ومع ذلك تتواجد هذه الكيانات على منصة المكرمين بأعلام ترفرف حاملة اسمها، بينما يختفي اسم الكويت وتغيب أعلامها مع حرمان شبابها من المشاركة في الاستعراض الرسمي العام الذي يضم الوفود الرسمية المشاركة، وتختزل الكويت بكل معانيها الانسانية ووداعتها الآسرة وآدميتها المنحوتة بالعطاء والسخاء، في طابور اللاجئين، ويضيع اسم الكويت، ويقف أبناؤها تحت العلم الأولمبي الذي يعرف بغطاء اليتامى.
لكن طغيان الحس الوطني لهؤلاء الشباب وتسلحهم بالاصرار على تقديم الوجه الكويتي الحسن المعروف دولياً، مقرونا بالعزم على اختراق الحصار، كل ذلك مكّن البارع فهيد الديحاني من نيل الميدالية الذهبية ونقش اسمه في لائحة المتفوقين، وتدوين اسمه كمواطن كويتي جاء من بعيد متفوقاً ليس في الرماية فقط، وإنما في فنون إفشال التآمر، عابراً على كل العراقيل التي خططت لها آفة التعطيل، ويعجبني أكثر أن بطل الرماية أهدى الفوز إلى سمو الأمير، في تعبير عن ولاء لوطن ثمين يقوده أمير كريم، هذه لوحة وجدانية رسمتها مشاعر الفائز بالبطولة فرحاً بالمعاني التي أضاءتها المناسبة الرياضية التاريخية.
ومن الطبيعي أن يتساءل الرأي العام الكويتي والخليجي وربما العربي، عن حقائق الوضع الرياضي في الكويت الذي لم يسمح بظهور اسم الكويت وحوّل وفدها إلى لاجئين، وعن المسببات التي تؤخر قرار الحزم الحكومي الذي يرسم مرتكزات جديدة للحركة الرياضية بعيداً عن تسللات السياسة وعن حسابات التزعم والمناكفات، ويتساءل أيضا عن انشغال البرلمان غالباً بالمنافع الانتخابية كما تعكسه واقع العصبية النيابية عن أسعار البترول، في تجاهل عن أجواء التوحش الرياضي الذي جمد النشاط خليجياً وعربياً ودولياً.
تظل الرياضة وأنشطتها من أبرز مكونات المجتمع المتحضر في آليات الترابط والتداخل لترسيخ معاني الهوية والمواطنة وتفريخ شباب الكفاءة المدفوع بغريزة التفوق، والرياضة مكون مهم في دبلوماسية الشعوب، وفي خزينتها كعنصر حيوي مسالم وناعم يحمل رسالة التلاقي والتعايش بين الأمم كما يسجله ميثاق الأمم المتحدة ويؤكده الاعلان العالمي لحقوق الانسان.
نقول إن مجموعة الرياضة الكويتية ذهبت بهدوء إلى مدينة ريو، ومن دون تطبيل اعلامي، حققت عبر الفوز المستحق لبطل الرماية فهيد الديحاني ما لم تحققه كل البرامج التي وضعتها إدارة التعطيل، فقد أطلق الديحاني مدفعاً مدوياً في سماء مدينة ريو تحمله موجات العالم إلى كل طرف في هذا الكون مضيئاً اسم الكويت.
ذهبت المجموعة الصغيرة إلى ريو لتأكيد وجود الكويت، وتعود بعد أن سطع اسم الكويت في كل فضاء، منطلقاً من مدينة ريو متعالياً على التدابير التي حاكتها غريزة التسيد والاحتكار.
ونسأل متى تتحلل الرياضة الكويتية من شباك الغموض، ومتى يقرأ المواطن نهاية للطلاسم التي وضعت رياضة الكويت في شريط كوميدي سريالي ملّ الناس منه..؟!

*نقلاً عن "القبس" الكويتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.