النفوذ الإيراني.. هل وصل إلى المنظمة المسؤولة عن الثقافة العربية؟!

أحمد يوسف أحمد

نشر في: آخر تحديث:

أنْ يكتب باحث عربي في تمجيد التجربة الإيرانية فهذا حقه، أما أن يُنشر ما كتبه في أهم أجهزة «المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم» إحدى منظمات العمل العربي المشترك فهي الكارثة بعينها لأن الاحتمالين الوحيدين لتفسيرها إما أن المسؤولين في المنظمة ومعهد البحوث والدراسات العربية غير منتبهين لتصاعد الخطر الإيراني على النظام العربي، وهذه مصيبة، وإما أنهم غير معترفين بوجود هذا الخطر أصلاً، وهنا تكون المصيبة أعظم، ففي الوقت الذي تتغلغل فيه إيران سياسياً واقتصادياً وعسكرياً في عدد من دولنا العربية، وهو ما تباهى به حيدر مصلحي وزير الاستخبارات الإيراني الأسبق في ظل حكم نجاد، وفي الوقت الذي تنفذ فيه عصابات الحشد الشعبي تطهيراً مذهبياً ضد أهل السُّنة في العراق يحدث ما لا يمكن توقعه، وهو أن تصبح واحدة من أهم منظمات الجامعة العربية -إنْ لم تكن أهمها- ساحة للدعاية للنموذج الإيراني والدعوة «للاستفادة المعرفية والحضارية منه». وكان الظن أن هذه المنظمة هي آخر القلاع التي يتحصن بها العرب ضد الفكر الذي يناصر التمدد الإيراني في وطنهم شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً، الأمر الذي لا مفر لأي عربي مخلص لعروبته من أن يتصدى له إنْ استطاع إلى ذلك سبيلاً.. ولنبدأ القصة من أولها.

البداية: دراسة مثيرة للجدل

تبدأ القصة في نوفمبر 2015 عندما نظم معهد البحوث والدراسات العربية التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم مؤتمراً علمياً عن دور مراكز البحث والتفكير، وهو موضوع جيد، وكان من بين أوراق المؤتمر ورقة بعنوان «مراكز التفكير والبحوث في الخبرة الإسلامية المعاصرة - إيران نموذجاً» أعدها باحث من المعجبين بالتجربة الإيرانية بعد 1979 وهو ما تكشف عنه دراساته السابقة من قبيل: الفكر التربوي الإمامي - إيران نموذجاً (2008)، والتعليم في إيران من الثورة إلى الدولة (2009)، وعلى غير العادة لم يصدر معهد البحوث والدراسات العربية أوراق المؤتمر في كتاب، وكان الظن أن ذلك يرجع إما لضعف الأوراق التي قُدمت للمؤتمر أو بعضها وإما لشطط ما فيها، لكن المفاجأة تمثلت في أن المعهد قد اختص هذه الورقة تحديداً بنشرها في سلسلة «دراسات استراتيجية ومستقبلية» لعدد مارس 2016، وهي سلسلة نصف سنوية، وهكذا يكون الضوء قد سُلط على هذه الورقة مرتين، الأولى في المؤتمر العلمي للمعهد والثانية في سلسلة الدراسات الاستراتيجية والمستقبلية ضماناً لأكبر انتشار ممكن لها علماً بأن المعهد التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم يدفع مكافآت على إعداد هذه الأوراق، ويتحمل بطبيعة الحال تكلفة نشرها من ميزانية المنظمة التي تسهم فيها الدول العربية، أي أن هذه الدول تموّل الدعاية المجانية للنظام الإيراني كما سيتضح من التحليل التالي.

إيران «نموذجاً حضارياً»!

في التصدير الذي أعدته إدارة المعهد تم تحديد أهمية الدراسة بأنها نظرية وتطبيقية، أما الأهمية النظرية فهي أن الدراسة «تقدم إطاراً نظرياً حضارياً لعمل مؤسسي في خبرة إسلامية معاصرة تنطلق من مرجعية دينية، في مقابل الصيغ المادية لعمل المؤسسات الفكرية في الخبرة الغربية»، وأما الأهمية التطبيقية فتنبع من أن الدراسة «تقدم خبرة مضافة للحالة العربية في مجال العمل الفكري المؤسسي في عمل مراكز التفكير والبحث» (ص5)، ومعلوم طبيعة المرجعية الدينية التي تنطلق منها الخبرة الإيرانية، تلك المرجعية التي احتفت بها الدراسة لاحقاً، واعتبرت أن من إنجازاتها «إبراز مدركات جديدة لأركان العبادات ذات بعد سياسي يخدم أفكار الثورة ومتطلبات المجتمع الجديد، فظهرت مصطلحات فقهية جديدة مثل الأبعاد السياسية للحج، والمفهوم السياسي لصلاة الجمعة» (ص 109) أي أن تسييس الحج والتهجم على النظم العربية وفي طليعتها النظام السعودي أثناء أداء المناسك صار من جوانب التجديد الفقهي للثورة الإيرانية الذي «أدى إلى استعادة مؤسسة الفقه والفقهاء دورهما البارز في الحياة الإمامية المعاصرة»(ص 109).

إنكار غريب

ولم يكتف الباحث بعدم استهجان تسييس فريضة الحج بل إنه دافع عن مبدأ «تصدير الثورة» بقوله في معرض حديثه عن التحديات التي واجهتها الثورة الإيرانية، تلك التحديات التي نتج عنها «الحصار الدولي لإيران، وفرض العزلة السياسية، والضغط الاقتصادي، وساعد في ذلك موقف الدول العربية التي فهمت رسالة الثورة خطأ من خلال إشاعة مصطلح تصدير الثورة، فعانت إيران أيضاً من العزلة العربية، ثم كانت الحرب العراقية - الإيرانية التي استنزفت قدرات الثورة الوليدة». هنا ينكر الباحث أن إيران اتبعت ولا تزال سياسة تصدير الثورة ويعتبر أن الدول العربية هي التي أشاعت هذا المصطلح، كأن إيران لم تتدخل في تفاصيل علاقة النظم العربية بمواطنيها الشيعة في دول عربية عديدة، ولم تتورط غير مرة في أعمال تخريب تهدف إلى تقويض النظم العربية وبالذات الخليجية، ولم تسفر عن أطماعها الإقليمية في الأرض العربية، وكأن انقلاب جماعة «الحوثيين» على المذهب الزيدي المعتدل وتبني النموذج الإمامي مجرد إشاعة!

هذا عن الأهمية النظرية، أما عن الأهمية التطبيقية، فإن تقديم الخبرة الإيرانية في المجال البحثي كنموذج تحتذيه الدول العربية مع كل المحاذير التي تحيط بهذا النموذج يثير السؤال عن الحكمة في تخيره تحديداً، فإذا كان الهدف هو عرض تجربة دولة إسلامية متقدمة في مجال البحث والتفكير، فلماذا اختيار إيران وليس ماليزيا مثلاً التي لا تكتنف العلاقات العربية معها أي تعقيدات، ومعلوم أن ماليزيا قد وضعت هدفاً لهذا الانتقال في عام 2020 من العالم الثاني للعالم الأول؟، إجابة السؤال تنبع بالتأكيد من الانبهار بالنموذج الإيراني!

ويتسق مع ما سبق أن الباحث اعتبر أن الثورة الثقافية التي أحدثها نظام الثورة الإسلامية استهدفت تطوير الفكر الإيراني والحركة الإيرانية «في مختلف المجالات باتجاه الأصالة التي تتمحور حول أساسين، أحدهما: عقائدي يتمثل في تطوير الخطاب الديني، والثاني: قومي يتمثل في القيم التراثية للشعب الإيراني» (ص43). ولو كتب باحث إيراني عن أن من منجزات ثورة 1979 تطوير الفكر والحركة الإيرانيين في اتجاه التمسك بالقومية فهذا مقبول، لكن أن يورد باحث عربي ذلك بوصفه من مكونات المشروع الحضاري الإيراني وأن يُنشر هذا الرأي في دورية معهد تابع لإحدى منظمات الجامعة العربية فهذا غير مقبول يقيناً، فهذه القومية الفارسية هي المحرك لكل السياسات التوسعية الإيرانية في العمق العربي.

يرتبط بهذه النقطة شديدة الخطورة تعامل الباحث مع مصطلح «الخليج الفارسي»، فعندما تطرق الباحث إلى الوحدات التي يتكون منها مركز الأبحاث الاستراتيجية أورد قسم «دراسات الشرق الأوسط وخليج فارس» وذكر أسفل الصفحة في الهامش «كما في التسمية الإيرانية» (ص 126) هكذا بحياد كامل في التعامل مع المصطلح. ثم عندما تعامل مع الوحدات المكونة لمركز «الدراسات السياسية والدولية» التابع لوزارة الخارجية الإيرانية، أشار دون تعليق إلى «وحدة دراسات الخليج الفارسي» (ص130)، معتبراً أن الإشارة السابقة في الهامش تكفي ودون وضع المصطلح بين علامات تنصيص للدلالة على التحفظ، ومعلوم أن مركز الدراسات السياسية والدولية يلعب دوراً أساسياً في التخطيط للسياسة الخارجية الإيرانية، ويضم بعض صقور النظام الإيراني.

تجميل التجربة الإيرانية

روجت الدراسة لإيران كدولة وإن قامت على أساس ديني خاص ينطلق من أن الفقيه هو السلطان، إلا أنها «اتبعت أساليب الدولة الحديثة في التأسيس حيث أقرت مبادئ الانتخاب والدستور والديمقراطية والمساواة وحقوق المرأة وحقوق الشعوب والأقليات والأجهزة النيابية والتشريعية والرقابية... والشوري» (ص41). ثم عاد الباحث ليفصل في ديمقراطية النظام السياسي الإيراني الذي «استطاع أن يحقق نجاحاً سياسياً داخلياً يحسب له من خلال إثبات مصداقيته لذاته لمصلحة البقاء، وقد تحققت تلك المصداقية من خلال عدة قنوات محدودة كان في مقدمتها الانتخابات» (ص120). ومن الواضح أن هذا التحليل يقدم نموذجاً وردياً وغير واقعي للنظام السياسي الإيراني. فأين موضع عرب الأحواز وأهل السُّنة من حقوق الشعوب والأقليات؟ وأين قمع الحركة الطلابية في 1999 والتنكيل بالمعارضة السياسية لمير حسين موسوي بل ونبذ عالم بقامة منتظري تجرأ على انتقاد تطبيق الخميني لولاية الفقيه؟ أين فساد مؤسسة الحرس وتكميم حرية الصحافة؟ أين تصفية مئات المرشحين عبر مجلس صيانة الدستور؟ إن موضوع تطور النظام السياسي الإيراني لم يكن مطلوباً من الباحث لكنه تناوله، وعندما فعل انتقل بإعجابه بإيران من مجال البحث والتفكير إلى مجال السياسة. وبالتالي لا عجب في أنه قد اعتبر «التطور الذي شهدته إيران المعاصرة لم يأتِ من فراغ، وإنما كان نتيجة جهد عقلي ومعرفي منظم قاد حركة التطور والتغيير الاجتماعي. جعله موضع نظر القوى العالمية والإقليمية». ودلل على ذلك بالزيادة الكبيرة في عدد الإصدارات عن إيران بعد الثورة مقارنةً بما قبلها (ص42). ويلاحظ أنه في سياق تسويق النموذج الإيراني اعتبر الباحث أن زيادة المكتوب عن إيران بعد الثورة نتيجة تطورها العقلي والمعرفي الذي لفت نظر العالم، وهذه نتيجة مضللة لأن الاهتمام بإيران زاد بعد الثورة نتيجة صدامها مع محيطها الإقليمي والدولي وإلا كان فيضان الكتابة عن حركة «داعش» دليلاً على الإعجاب بها!

الفضاء الإقليمي الإيراني!

نقل الباحث عن غيره أن إيران لديها رؤية استراتيجية «تصر على بلوغ هدفها المركزي، وهو تحقيق مكانة الدولة المركز في فضائها الإقليمي المتعدد (غرب آسيا). ورغم المعوقات الخارجية والداخلية لتحقيق هذه المكانة فإن إيران تسير حركتها نحو الهدف بمقياس معدلات الاستقرار» (ص12). وقد أَمَّن الباحث على مضي إيران نحو تحقيق مركزيتها الإقليمية دون مشاكل، واستخدم لفظ فضائها المتعدد وهو لفظ يتجاوز غرب آسيا، ومرة أخرى يبدو مرحّباً بهذا التقدم علماً بأنه ليس صحيحاً على الإطلاق أن النفوذ الإيراني لا يواجه مشاكل، وهذا واضح كل الوضوح في محيطنا العربي.

وأخيراً بعد أن أسهب الباحث على مدار 135 صفحة في تعداد فضائل النموذج الإيراني خصص صفحة بالكاد (نصف صفحة في 136 وثلاثة أرباع صفحة في 137) لاستعراض جوانب النقد التي تركزت في ازدواجية المؤسسات العاملة في قطاع البحث، وقد سبق للباحث أن اعتبر أن الثنائية في النظام السياسي الإيراني ثنائية مقصودة، وذلك لـ«ضبط أي اختلال في بنية النظام من خلال توازن ذاتي تسهم فيه مؤسسات تكبح جماح بعضها البعض« (ص ص119-120)، وهكذا يتضح لنا أن الانتقاد الوحيد الذي وجهه الباحث إلى مراكز البحث والتفكير ليس بانتقاد!

كتبت إحدى الدراسات الرصينة صدرت في 2015 عن «مركز صناعة الفكر للدراسات والأبحاث» قائلة إن المراكز البحثية الإيرانية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالسلطات في طهران، ومنها ما تنشئه الدولة ضمن مؤسسات رسمية ومنها ما يتبع جامعات حكومية وكثيراً ما ينبع عدد من المراكز من مؤسسات غير رسمية تتخذ صفة الاستقلالية، لكنها في الحقيقة تخدم المؤسسات الرسمية وتقوم بأدوار متعددة، وبالتالي فإن كل هذا الإعجاب بمراكز التفكير والبحوث في إيران هو تمجيد في غير محله للتجربة الإيرانية، وكذلك فإن هذه الدراسة بالشكل الذي خرجت عليه هي خير هدية يمكن إهداؤها للجمهورية الإسلامية الإيرانية، ففيها مدح صريح ليس فقط لمراكز البحث الإيرانية، لكن أيضاً لولاية الفقيه ولديمقراطية النظام السياسي. لقد سبقت الإشارة إلى صدور دراسات سابقة عن إيران من المعهد، ولكن بأقلام أساتذة عروبيين يعرفون خطر المشروع القومي الإيراني ولا يعتبرون «تصدير الثورة الإيرانية» مجرد إشاعة عربية.

*نقلا عن صحيفة "الاتحاد".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.