عاجل

البث المباشر

مواسم الحصاد.. والزواج!

لأننا «كنا» شعباً زراعياً ومنتجاً.. كانت مواسم الحصاد هى مواسم الزواج، والأفراح.. بل التشييد والبناء.. منازل أو حتى مقابر!! بل كانت الأسواق الشعبية والموالد فرصاً للتجارة.. وأيضاً للزواج.. إذ فى هذه الأسواق والموالد الدينية - وما أكثرها فى مصر! - فرصة ليشاهد الشبان.. الفتيات.. أى فرصة للتعارف وليست فقط للنشاط التجارى.. أو الاحتفالات الدينية.

مثلاً كان موسم جنى القطن - أى جمع المحصول - عندما كان لدينا محصول اسمه: القطن، كان المصرى يؤجل كل شىء إلى ما بعد بيع محصوله.. ومن المحصول كان ينفق على زواج وأعراس وتجهيز أولاده وبناته.. بل كان يقترض «تحت حساب» بيع المحصول.

وكان موسم العنب - فى قرى الفيوم - من أكبر مواسم الرواج التجارى.. ثم للزواج. بل ترميم البيوت.. وتجهيز البنات.. وذلك أيضاً عندما كانت الفيوم أكبر وأشهر منتج للعنب البلدى وبز العنزة.. وكذلك كان موسم الزيتون. وكانت الفيوم مشهورة بنوعين من الزيتون: التفاحى والعزيزى.. وربط الناس بين موسم الزيتون وموسم الليمون أيضاً ولذلك كانت للزيتون الفيومى ولليمون الفيومى شهرتهما الكبيرة. وكان يتم جمعهما معاً، أى كان أهل الفيوم ينعمون بالمحصولين معاً.. وأحياناً كان للمانجو الفيومى نصيبها فى الرخاء الذى كان يعم أهل هذا المنخفض وهذا الوادى الخصيب، الذى اكتشفه الفراعنة وحفروا ترعة ضخمة تنقل مياه النيل إلى هذا المنخفض الذى حولته مياه النيل بما تحمله من طمى غزير إلى منطقة من أخصب أراضى مصر.

أيضاً - بمناسبة الزيتون - يعتبر موسم جنى الزيتون فى كل واحات مصر: سيوة والداخلة والخارجة والفرافرة، موسم الرخاء لأبناء هذه الواحات، وكل محافظة الوادى الجديد، وكذلك سيناء، وفى هذه وتلك قامت زراعات وصناعات عديدة، كمعاصر لزيت الزيتون وتمليحه وتصديره، وهو عالمياً من أفضل أنواع زيت الزيتون «البكر». وعلى ذكر الزيتون.. لابد من ذكر التين، فقد جمع بينهما القرآن الكريم ليس فقط فى سيناء.. بل كان التين البرشومى من أهم محاصيل الساحل الشمالى الغربى بداية من غرب الإسكندرية، وكان أجوده ما يزرع فى منطقة العجمى، بل كان الباعة ينادون عليه بقولهم: عجمية.. يا تين.

ومواسم جنى البلح: طازجاً «أحمر أو أصفر.. أو أسود» هى مواسم الزواج لثلاث مناطق لإنتاجه فى مصر. أولاها شمال الدلتا بين دمياط ورشيد. وثانيتها فى شمال سيناء.. وثالثتها فى جنوب مصر، فى أسوان وبلاد النوبة. وإذا كان المصريون يعشقون البلح طازجاً فى شمال الدلتا ويصنعون منه العجوة غذاءً لشهور الشتاء الباردة.. فإن بلح أسوان والنوبة الجاف هو أهم ما يستهلكه كل المصريين طوال شهر الصيام.. أما المنطقة الأكثر شهرة للتمور فهى واحات غرب مصر فى الوادى الجديد، ولذلك قامت هناك صناعات كبيرة للتمور والعجوة، ويتم تصدير الحصة الأكبر من هناك. لذلك فإن موسم جنى البلح وتحويله إلى تمور هو أهم مواسم الزواج والأفراح والليالى الملاح.

وهناك مناطق معينة تنفرد بزراعة محاصيل تتميز بها هذه المنطقة أو تلك، عندنا مثلاً قرية العمار التى يزرع بها أشهر أنواع المشمش.. ومنها اشتهرت زراعته فى كل القرى المحيطة بقرية العمار.. ولأن المشمش - فى العمار - هو موسم الزواج.. خرج المثل والقول المصرى الشهير «فى المشمش»، يعنى كل شىء مؤجل إلى موسم جنى المشمش وبيعه.. وإن كنا حولنا هذا المثل إلى قول عكسى يدل على أننا لن ننفذ المطلوب.. إلا فى المشمش. ونظراً لأن موسم المشمش مدته قليلة.. فإن صاحب الحق لن يحصل أبداً على حقه، ونفس الوضع مع موسم جنى محصول الرمان، بالذات فى منفلوط بمحافظة أسيوط، وهو أفضل أنواع الرمان!!

** وهناك مواسم أخرى للزواج.. لأنها مواسم للحصاد والخير.. منها موسم صيد السمان.. وصيد الطيور المهاجرة، وقد بدأ موسم صيد السمان فى شمال سيناء.. بالذات حول بحيرة البردويل.. وأيضاً على امتداد الساحل الشمالى الغربى بالنسبة للسمان، ومناطق بحيرات مصر الشمالية بالنسبة للطيور المهاجرة.. ويبدأ هذا الموسم بعد أيام، أى من أول سبتمبر وحتى آخر أكتوبر.. وهو من أفضل مواسم الزواج.

** وموسم الفسيخ.. فى مدن دسوق ونبروه وكفر الشيخ ودمياط، وكان عندنا أحد المواسم الشهيرة هو موسم صيد السردين، وكان أكبر مصدر للثروة لأبناء محافظتى دمياط وكفر الشيخ ومدينتى رشيد وإدكو.

ولكن كان كل ذلك، عندما كانت مصر دولة زراعية وصناعية منتجة.. ترى هل العنوسة التى ضربت مصر الآن سببها انهيار هذه المواسم الإنتاجية.. إذ توقفت عندما تحولنا من منتجين إلى مستهلكين؟!

* نقلا عن "المصري اليوم"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات