جامعة عربية للصم

محمد النغيمش

نشر في: آخر تحديث:

وأنا أتجول في أروقتها لم أسمع همساً، ظننت أنه يوم إجازة أو أن بلاغاً كاذباً قد أخلى الجامعة، حتى وصلت إلى قاعة الاجتماعات الكبرى حيث وجدت الوفد الخليجي يهم بالدخول إليها.

إلى هنا دعينا للاطلاع على تجربة جامعة كالوديت الأميركية، التي تعد أول جامعة للصم وضعاف السمع في العالم، يرأسها دكتور أصم، ويعاونه نحو أكثر من ألف موظف 40 في المائة منهم من الصم وضعاف السمع. وتعد لغة الإشارة هي لغة التخاطب داخل وخارج القاعات الدراسية.

تحلقنا حوله، انطلق السؤال الأول فجلست أفكر كيف سيرد هذا الرئيس الأصم شفاهة. ثم تناهى إلى أسماعنا صوت يترجم إلى الإنجليزية ما قيل بلغة الإشارة التي استخدمها الرئيس بمهارة صاحبها إيماءات جسدية تنم عن ثقة عالية بالنفس!

ثم تحدث رئيس الجامعة عن منصبه الذي تبوأه بعد مظاهرة احتجاجية كبيرة قام بها الصم في الجامعة عام 1988م، وساعدهم فيها أعضاء الكونغرس الأميركي وعدد من شرائح المجتمع، فتصدرت الحادثة وسائل الإعلام، حيث كانت لدى المتظاهرين قائمة بالمطالب المشروعة في مقدمتها تعيين رئيس أصم للجامعة.

ومن أهم نتائج المظاهرة التاريخية أنها أحدثت التفاتة كبيرة إلى الصم وذوي الاحتياجات الخاصة، على المستوى الاجتماعي والسياسي، »ففي المدة من 1988 حتى 1993 أصدر الكونغرس قوانين جديدة للصم وذوي الاحتياجات الخاصة، تجاوزت ما صدر في 216 سنة من عمر الولايات المتحدة«، على حد قول السيناتور توم هاركن. ومن تلك القوانين الرئيسية قانون تعزيز وتسهيل الاتصالات، وقانون المعاقين وغيرهما.

هذه الرحلة التي لا تنسى جعلتني أتساءل لماذا لا يكون لدينا في أي دولة عربية جامعة تحتضن الصم وتنمي مواهبهم ليشكلوا قيمة مضافة للمجتمع؟ ولم لا يدير شؤونها هم أنفسهم ليضربوا مثالاً على قدرة الإنسان العربي على إدارة قِبْلَة العلم لكل الصم في الشرق؟

أليست لدينا القدرة المادية على تأسيس منارة علمية عربية كجامعة للصم تبدأ من حيث انتهى الآخرون وترتكز على أحدث وسائل التعليم والتكنولوجيا والترفيه لتنافس نظراءها في العالم... وجود معظم جامعاتنا في قعر قائمة أفضل ألف جامعة لا يعني أننا لا نستطيع أن ننهض من جديد بمشروع إنساني ونبيل؟

لماذا لا تتبنى دولة عربية هذه الفكرة الإيجابية والحضارية بتأسيس صرح تعليمي مثل جامعة كالوديت التي تقدم برامج متخصصة في البكالوريوس والماجستير والدكتوراه، وخرجت منذ تأسيسها عام في عام 1864م أكثر من 20 ألف شخص. تكمن أهمية ذلك في أن ذا الاحتياجات الخاصة تتجمع فيه عزيمة عشرات الأصحاء لأنه يريد أن يبرهن على أن لا شيء يعوقه عن تحقيق ذاته وإدهاش المجتمع من حوله؟.

* نقلا عن "البيان"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.