«نيفيز» ومزايدات الصحويين

محمد آل الشيخ

نشر في: آخر تحديث:

اعترض أحد الصحويين ويقال إنه (معلم مدرسة)، عبر حسابه بـتويتر محذراً من أن لاعب الهلال «نيفيز» في يده وشم النجمة السداسية، التي هي رمز له مدلول عند الماسونية وغيرها من المنظمات المنحرفة لذلك تجب معالجة ذلك لكي لا يقتدي به أولادنا.. الاعتراض كان مجرد (تخبيصة صحوي متعجل) لا أكثر؛ فالنجمة - (محل الاعتراض) - لم تكن سداسية؛ والتصعيد أراد منه - على ما يبدو - البحث عن الأضواء فاختلق قضية ثم طلب معالجتها.

تَعرَض المذكور بعد أن غرّد بهذه التغريدة إلى سخرية لاذعة من أغلب من علقوا على الموضوع، وصار مثاراً (للتريقة) والتندر بين مرتادي تويتر؛ خاصة وأن هذا اللاعب يحظى بجماهيرية كاسحة بين مشجعي نادي الهلال نظراً لمستواه الفني المُبهر. ولو كانت هذه (المزايدة) في زمن ازدهار زمن الصحوة لربما اضطر نادي الهلال إلى إنهاء العقد وترحيل اللاعب؛ غير أن الزمن تغير، ومزايدات الصحويين لم تعد تلقى رواجاً كما كانت في السابق؛ فانتهى تصعيده إلى أنه صار مثارا للسخرية والتهكم.

وقبل أكثر من عقدين من الزمن - على ما أذكر - كان شعار الخطوط السعودية يكتب باللغة الإنجليزية بالأحرف الصغيرة (Small Letters)، وبطريقة تجعل (الفراغ) إذا التقى الحرفان الإنجليزيان الأولان الإس (s) والإي (a) في الشعار يأتي على شكل صليب هكذا: (saudia). وقتها كانت الصحوة (مشتعلة)، وكل من لا عمل له من الصحويين كان يبحث عن أية قضية ليثبت أنه (يذب) عن الإسلام، ويدافع عنه، حتى ولو كان الأمر متوهماً؛ وطبعاً لا يجرؤ أحد على مناقشة هؤلاء المتوهمين أو التسفيه بمطالبهم طالما أنهم يذبون كما يدعون عن الإسلام حتى وإن كانت تتحدث عن فراغ بين الأحرف وفراغ مماثل في العقول؛ فالاحتراز - كما قيل وقتها - واجب حماية لهويتنا؛ اضطرت الخطوط السعودية تحت الضغط الصحوي لتغيير طريقة كتابة الأحرف بالإنجليزية من Small Letters إلى Capital Letters ليختفي الصليب من الفراغ بين الحرفين الأولين من الاسم؛ وكلّفَ حينها التغيير والنزول عند مطالب الصحويين هذه مبالغ طائلة ذهبت دونما مبرر إلا التماهي مع الوهم. مثل هذه التهيؤات وهذا التطرف (المضحك) في تفسير حتى طريقة الكتابة بلغة أجنبية يُشير إلى كم كانت عقول بعض الصحويين آنذاك ساذجة وبسيطة، وكيف أن (هاجس) المؤامرة على الإسلام من (الكفار) وصل إلى هذا المستوى القِشري المُغرق في التطرف.

كما سبق للصحويين أن اعترضوا - أيضاً - على (زَي) مضيفات الخطوط السعودية في الثمانينيات، بحجة أن الزي كان لا يُحَجِّب المضيّفة مما قد (يثير) شهوة الرجال من الركاب، فلا يكبح الرجل جماح شهوته والمضيفة تخدمه فيأثم؛ لذلك لا بد من أن يحتجبن؛ فرضخت الخطوط لمزايدات هؤلاء وحجّبت مضيفاتها.. هؤلاء لو أنهم عادوا إلى تاريخ عصر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لوجد أنه كان يمنع (الإماء) من الحجاب، بل ويضربهن بدرته إذا ما تحجبن. أي أن الحجاب ليس قصراً على النساء المسلمات فحسب، وإنما قصراً على الحرائر دون الإماء منهن فقط؛ بمعنى أن الإماء وكذلك - طبعاً - غير المسلمات يجب ألا يتحجبن اقتداء بالسنة. فقد جاء في السنن الكبرى للبيهقي بإسناد صحيح عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنه قال: (كُنَّ إماءُ عمرَ رضيَ اللَّهُ عنهُ يخدمنَنا كاشفاتٍ عن شعورِهِنَّ تضربُ ثديَّهنَّ). وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في الفتاوى: (أن الحجاب مختص بالحرائر دون الإماء كما كانت سنة المؤمنين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه أن الحرة تحتجب والأمة تبرز). ومعنى (تبرز) هنا أي تظهر إلى الناس وتخدمهم؛ ويرى أنها تتحجب (فقط) إذا لم تُؤمَن الفتنة استثناءاً.

والسؤال: ما هو الأساس الشرعي الذي فرضوا بموجبه على غير المسلمات من المضيفات في الخطوط السعودية الحجاب؟. أليس الأولى قياساً بفعل عمر ألا يتحجبن لكي لا يُظن بأنهُن مسلمات، ولأنهن - كذلك - (يبرزن) لخدمة الركاب كما كُنَّ الإماء في عهد عمر. أما القول بأن الهدف من الحجاب (كي لا يثرن الرجال) فمزايدات صحوية لا قيمة لها؛ إذ لو كان ذلك من مقاصد الشريعة في الحجاب لأُمِرَ الحرائر والإماء على حد سواء بالحجاب.

*نقلا عن صحيفة "الجزيرة" السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.