عاجل

البث المباشر

التواصل وبناء الدبلوماسية الفاعلة

اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي يعقد سنويا في شهر سبتمبر، كمناسبة عالمية، يتقاطر فيها الرؤساء والدبلوماسيون من دول العالم المختلفة، على مبنى الجمعية في نيويورك، للتحدث عبر المنبر الأممي، وتبيان وجهة نظر بلدانهم حول الموضوعات المختلفة، وبالأخص تلك التي تكون محل جدل واختلاف بين القوى الكبرى.

هذا الاهتمام من كبار السياسيين بالحدث الدولي، يتحدث عنه د.ولي نصر، في مدخل كتابه "الأمة التي يمكن الاستغناء عنها: السياسة الاميركية في حالة تراجع"، بقوله "ربما يكون واضحا من البداية، أن ليس إغراء الخطابة هو ما يدفعهم إلى هذا الفعل الدبلوماسي، لكنها فرصة أن يروا الآخرين بأنفسهم وأن يلتقيهم الآخرين". مضيفا "هي فرصة لتبادل الأفكار والملاحظات. بل إنها تكون في العادة بورصة للكلام وربما حتى التنمية السياسية. وفي العادة، يجد فيها السياسي مكانا مثاليا لحشد الدعم الدبلوماسي لما تريده بلاده من خطط أن تأخذ طريقها إلى التحقق".

هذه النظرة العملية من نصر إلى الحدث، ترتكز على أن الفعل الدبلوماسي هو الأساس في العمل السياسي بين الدول والجماعات. وهذا الفعل لا يقوم على مجرد الخطابية، كما كان بعض الزعماء يفعلون، حيث نتذكر كيف كان العقيد معمر القذافي يتابعه الناس وهو يلقي خطبه بعشوائية وخطابية مستهلكة، دون أن يفيد ذلك بلاده في بناء رؤية دبلوماسية مقنعة أمام الآخرين.

الدبلوماسيون الحقيقيون تراهم يعدون جدول أعمال مدروسا بإتقان، يشتمل على أهم القضايا والملفات التي يسعون إلى طرحها ومناقشتها والتسويق لها. كما يتفحصون أسماء القادة والساسة الذين سيتواجدون في مكان انعقاد القمة، والذين يهمهم التواصل معهم من أجل خلق شبكة دعم سياسية واقتصادية ودبلوماسية لوجهة نظرهم، أو تبني ودعم ما يطرحون من مشروعات.

هذا النوع من السلوك الدبلوماسي الحثيث كان يمارسه السفير الاميركي الراحل ريتشارد هولبروك، والذي كان آخر منصب شغله هو المبعوث الخاص لإدارة أوباما لشؤون باكستان وأفغانستان العام 2009.

نصر الذي كان عنصرا رئيسا ضمن فريق هولبررك الخاص، يروي كيف أن الأخير أخبره حينها أنه "ينوي أن يكاشف عددا مهما من ممثلي حلفائنا خلال فرصة لقائهم على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك" بخصوص خطته لإحلال السلام في أفغانستان.

ما عزم على القيام به هولبروك، أتمه دون كلل أو تراجع أمام وجهات النظر المتباينة، أو حتى ردود الأفعال الباردة أو الناقدة، حيث كان أول لقاء يعقدُ مع وزير الخارجية المصري حينها أحمد أبو الغيط، تلاه عدة لقاءات أخرى، يتذكر من بينها ولي نصر رد أحدهم على هولبروك، حينما قال له "من الأفضل لكم شراء ولاء أمراء الحرب في أفغانستان لإبقاء تنظيم القاعدة خارج أفغانستان. سيكلفكم ذلك ربما 20 مليار دولار.. اصرفوا هذا المبلغ وارجعوا إلى دياركم.. هذا أفضل وأسهل".

ويشير نصر إلى أنه "في كل مرة كان الدبلوماسيون في الجانب الآخر من الطاولة يؤشرون لنا وبطريقة مؤلمة بأننا كنا في حالة من فقدان الوعي بالبوصلة فيما يخص أفغانستان".

ريتشارد هولبروك، رغم ذلك، بقي يعمل على الأخذ بالملاحظات التي يبديها له محاوروه، حتى وإن كانت قاسية، دون أن يمنعه ذلك من مواصلة الترويج لفكرته التي آمن بها.

إن التواصل مع الآخرين، واجتراح دبلوماسية نشطة وفاعلة، من شأنه أن يساهم في حل النزاعات بين الدول، ويخفف من مستوى الاحتقانات، ويمهد لبناء تفاهمات تشكل مظلة أمان تجاه الحركات الأصولية والعنف.

*نقلا عن "الرياض"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات