عاجل

البث المباشر

«بتروشكا» لسترافنسكي: عندما تقع الدمية في الغرام

في عام 1910، توجّه إيغور سترافنسكي من لوزان الى سانت بطرسبرغ بعدما كان التقى سيّد الباليهات الروسية دياغيليف وتمكّن من إقناعه بتقديم عمل موسيقي للباليه كان كتب فصليه الأولين وشرع يفكر بالثالث والأخير. وفي الحاضرة الروسية، التقى سترافنسكي مهندس الديكور ألكساندر بنوا ومصمم الرقص ميشال فوكين، بغية الاتفاق معهما على تفاصيل العمل. وكان لديه من الوقت هناك ما مكّنه من وضع موسيقى الفصل الثالث. وأخيراً حين غادر الى باريس، كان الباليه مكتملاً معه. وكان الاتفاق قد تم على تقديمه في باريس بعد شهور. قُدّم العمل بالفعل في العاصمة الفرنسية للمرة الأولى في حزيران (يونيو) 1911 تماماً كما كان مخططاً، غير أن ما لم يكن في الحسبان هو أن سترافنسكي لن يعود الى وطنه الأم طوال الخمسين سنة التالية، ما جعل ذلك الباليه وهو «بتروشكا»، يعتبر آخر عمل له وضعه في روسيا. وسيكون أكثر أعماله روسيّة على أية حال، وضمّنه أغنيات وأناشيد فولكلورية روسية كأنه كان في ذلك وصيّته الأخيرة فنّياً، قبل أن يغوص نهائياً في حداثة مدهشة.

> يتألف باليه «بتروشكا» الذي أعاد سترافنسكي الاشتغال عليه ثلاث مرات، أولاها طبعاً حين قُدّم على مسرح الشاتليه الباريسي في العرض الأول، ثم ثانية في عام 1947 ثم مرة ثالثة وأخيرة في عام 1965 – علماً أن تعديل عام 1947 هو المعتمد غالباً في التقديمات المعاصرة -، هذا الباليه يتألف من أربع لوحات تدور أولاها في ساحة عيد شعبي ديني روسي حيث وسط الزحام والفقرات يصل الساحر مع فرقته لنتعرف إلى بتروشكا والباليرينا والموريسكي يتناوبون على الرقص ونكتشف أن بتروشكا مولع بالباليرينا، لكن هذه لا تعيره أدنى اهتمام، بل تكاد توحي لنا بأنها مولعة بالموريسكي. وفي اللوحة الثانية، نجدنا في مهجع بتروشكا حيث نجده حائراً بين حبه للباليرينا وخوفه من الساحر الذي سرعان ما يقذف بالموريسكي الى المكان لتتضح الصورة، التي يفرضها نزق الساحر حين لا تستجيب الباليرينا لدعوة بتروشكا المولهة، معتبرة إياه مثيراً للشفقة لا أكثر، مفضّلة الموريسكي المليء بالحيوية. وإذ تدور اللوحة الثالثة في مهجع الموريسكي حيث يقذف الساحر بتروشكا الى المكان ليدور الصراع بين الاثنين منتهياً على طرد بتروشكا. وهكذا نلتقي الجميع مجدداً في اللوحة الختامية حيث خلال العرض وتحت رعاية الساحر يمتشق الموريسكي سيفاً خشبياً «يقتل» بتروشكا به ليحمل الساحر دماه خارجاً وسط صراخ الجمهور ونحيبه، فيما يظهر فوق السطح طيف بتروشكا تاركاً للجمهور أن يخمن ما سيمكن أن يحدث.

> «بتروشكا» عمل روسي الى حد عميق جداً. ومع هذا، اشتغل سترافنسكي عليه أوركسترالياً بطريقة تخرج عن المألوف الروسي، موفّراً للراقص الكبير نيجنسكي – الذي قام فيه بدور بتروشكا – فرصة لتقديم أفضل ما عنده. لكنه وفر فيه أيضاً لتامارا كورسافينا دوراً لا ينسى، إذ لعبت دور الباليرينا. ومع هذا، فإن الاثنين ليسا أكثر من دميتين في حكاية الباليه، والى جانبهما «دمية» ثالثة هي «الموريسكي» ذو الأحاسيس الباردة. أما ما يجمع الدمى الثلاث معاً، فهو الساحر النزق الذي يتجول في الأعياد الشعبية الروسية التقليدية عارضاً فنونه وسحره من خلال حكاية الغرام التي تدور بين الدمى ويتحكم هو فيها كما يشاء، فإن لامه في نهاية الأمر لائم أو شعر بعض الجمهور بأنه مستفز وعلى وشك البكاء على مصير بتروشكا، سيسارع الساحر قائلاً: «لا تنسوا أن ما ترونه هنا ليس أكثر من دمى صُنعت من قماش وقشّ ورؤوس من خشب... فعلام العويل؟». ومع هذا، حين ينتهي كل شيء في نهاية الأمر، لن تنقضي الأمور على تلك البساطة طالما أن العرض يترك المتفرج، متفرج العرض في العيد الروسي، أو حتى متفرج العرض في حفل الباليه نفسه، وهو محتار وقد ترك له، من خلال طيف بتروشكا الذي يظهر كأنه كائن بشري على سطح مسرح العرض، أن يسائل نفسه: وماذا لو أن مأساة الغرام حوّلت بتروشكا من دمية الى كائن له عواطفه ودموعه؟

> هل يمكن أن نقول عن القرن العشرين إنه، على رغم امتلائه بالموسيقى من أوله الى آخره، لم يكن عصر الموسيقى الكبيرة، أي عصر التأليف الموسيقي بالمعنى الذي يحمله التأليف الموسيقي كما حين نتحدث عن مؤلفين من طينة موزار وفاغنر وبيتهوفن وهايدن؟. وهل يمكن أن نستطرد لنقول إن القرن الثامن عشر كان آخر العصور الذهبية للموسيقى، على رغم وجود مؤلفين كبار في قرننا العشرين هذا؟ إنها نظرية تجد دعماً لها لدى العديد من الباحثين الذين حتى حين يذكرون ديبوسي ورافيل وجورج غيرشوين كبعض أبناء القرن العشرين، لا يفوتهم أن يذكّروا بأن بعض أهم أعمالهم إنما كانت تلك التي كتبت بتأثير من موسيقى القرن السابق، وباعتبارها امتداداً لها. ولعل مسيرة إيغور سترافنسكي المهنية تكفي وحدها لتأكيد هذه النظرية، فهذا المؤلف الكبير الذي بدأ حياته روسياً وأنهاها أميركياً، مع مرحلة فرنسية حاسمة وأساسية تتوسط مسار حياته، هذا المؤلف الكبير تكاد مسيرته تختصر وحدها ما يوصف عادة بأنه «الانحدار الكبير الذي عاشه التأليف الموسيقي في القرن العشرين».

> صحيح أن سترافنسكي، المولود عام 1882 في بلدة أورانينباوم القريبة من سانت بطرسبورغ في الشمال الروسي، لم يكن إلا في الثامنة عشرة من عمره حين أطل عليه القرن العشرون، وأن مؤلفاته الموسيقية الكبرى إنما ظهرت اعتباراً من 1910 وهو في الثامنة والعشرين. لكن صحيح أيضاً أن تلك الأعمال الكبرى، التي كتب معظمها بناء على تكليف من فنان الباليه الروسي الكبير دياغيليف، إنما كتب كامتداد للكلاسيكية الرومانسية الروسية وبتأثير مباشر من رمسكي كورساكوف الذي يعرفه المستمعون العرب بقصيدتيه السيمفونيتين الكبيرتين «شهرزاد» و «عنتر»، اللتين أعمل فيهما الموسيقيون العرب سلباً ونهباً ولا يزالون يفعلون حتى اليوم! إذاً، انطلاقاً من هذا الاعتبار يرى كثر أن إيغور سترافنسكي إنما كان من «آخر عباقرة القرن التاسع عشر» على رغم أنه أمضى 71 سنة من حياته في القرن العشرين.

> بكل بساطة يمكن القول إن كل ما كتبه سترافنسكي طوال قرننا العشرين هذا، لا يضاهي في أي حال من الأحوال أعماله الأساسية الأولى من باليه «عصفور النار» الذي كتبه لدياغيليف، حين طلب منه هذا كتابة الباليه له بعد أن أدهشته حفلتان كان قدمهما تحت رعاية رمسكي كورساكوف. وعندما كتب سترافنسكي «عصفور النار»، كان لا يزال شاباً ومجهولاً، لكن هذا العمل وضمانة دياغيليف له كانا كافيين لأن يضفيا عليه شهرة كبيرة. وهكذا انفتحت الأبواب واسعة أمام المؤلف الشاب الذي كتب على الفور ثلاثة أعمال أخرى لدياغيليف، هي «بتروشكا» و «تطويب الربيع» و «أعراس»، التي تأخرت كتابتها بعض الشيء لكن جذورها تعود الى تلك الفترة وتنتمي صراحة الى الكلاسيكية الرومانسية الروسية.

> طوال عقود بعد ذلك، بخاصة خلال إقامته في سويسرا ثم في فرنسا ثم استقراره في أميركا الشمالية، كتب سترافنسكي عشرات الأعمال. ومع ذلك، لا يزال اسم هذا المؤلف وحتى يومنا هذا، مرتبطاً بتلك الأعمال التي ذكرناها، والتي استوحى منها الشعراء والمسرحيون والسينمائيون والأدباء في شكل عام. وهذا، لأن سترافنسكي كان في بداياته روسياً أصيلاً، تأثر بالروس الكبار، من بورودين الى تشايكوفسكي مروراً برمسكي كورساكوف. وتلك اللمسة الروسية في موسيقاه هي التي أضفت على أعماله الأولى سحرها. لكنه بعد ذلك، ووفق تعبير الشاعر السويسري راموز الذي تعاون معه ذات فترة، صار «سويسرياً في سويسرا، وفرنسياً في فرنسا، وأميركياً في أميركا» ما أفقد موسيقاه طابعها الأصيل، وجعل سمعته الى الأبد تنحصر في أعماله الأولى على رغم أن «خزانه» يحتوي على أعمال كبيرة نسبياً. وعبر مثل هذه الأعمال - على أي حال - طبع سترافنسكي موسيقى القرن العشرين بطابعه، لكن محبيه كانوا يفضلون له على الدوام أن يظل أصيلاً في روسيته، وألا يقع - كما فعل - في فخ طلائعيي الموسيقى الحديثة فأضاع وقته، ومات في عام 1971 من دون أن تكون له سوى قيمته المتحفية وذكرى أعماله الأولى.

*نقلا عن "الحياة"


** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات