عاجل

البث المباشر

آخر الغيث دمعة

يعد هناك من غطاء يمكنه ستر عورات ما كشفت عنه السنوات العجاف، التي أودت بالمشروع الوطني الفلسطيني نحو مصادر تهلكة، باتت تتحقق الواحدة بعد الأخرى، وصولاً إلى رؤية حال من الاستبداد الكامل تهيمن على نظام السلطة السياسي والقانوني، وما جلبته أخيراً من مشاركة في جنازة مجرم حرب لا سلام، وجعلت من الغيث دمعة، ومن دمعات أمهاتنا التي سالت سيولاً مدراراً، منذ ما يقارب السبعين عاماً وكأن لم تكن، وهي تتحول إلى برد وسلام تجاه من يتبارون على قتل السلام في بلادنا وفي المنطقة، في كل يوم.

تلخص هذه المقدمة، حال الوضع الوطني الفلسطيني، وهو يتأقلم مع وضعية دولة فاشلة، هي صنيعة استبداد وحكم فردي مطلق، وأجهزة أمنية بوليسية تقمع وتعتقل، وتراقب وتطلق النار وتجرد بعض المعارضين وغير المعارضين، السياسيين والعسكريين من انتماءاتهم التنظيمية، وتسلبهم حقوقهم الوظيفية والمالية والإنسانية، وتزج ببعضهم في السجون، وهذه مرحلة أخيرة قبل أن تبدأ مراحل التخلص منهم، على ما درجت الكثير من دول الاستبداد تجاه من يعارضها أو ينتقدها أو حتى «يغبر» عليها، نتيجة ممارساتها وسلوكها غير الديموقراطي حتى داخل التنظيم، أو بعض الحزب الحاكم. أما حال المشروع الوطني، فاستحال أشتاتاً، ليس جغرافية أو سياسية فصائلية وفئوية، بل إن هناك من يستخدمه ويوظفه من جهة، ليستبيحه من جهة أخرى، إذ يتم التلاعب بالقضاء وتسييس قراراته، بمعزل عن المصلحة الوطنية العليا عبر المحكمة العليا، وهو مثلب آخر من مثالب الاستخدام الوظائفي للسلطة، ما يشكل نقلة نوعية في طبيعة الخلاف السياسي والتنظيمي المتواصل منذ انقلاب 2007، والمحتدم اليوم بين بعض «بقايا الوطن»، وبعض مكونات تلك البقايا من داخلها ومن خارجها، فعن أي وحدة وطنية يتحدثون، وعن أي لقاءات للتصالح يهرفون بما لا يعرفون؟

من هنا، لا يمكن الشعب الفلسطيني أن يقبل أو يُقبل على «خيبة الأمل» على أنها الأمل، وهذا ما يدركه العقلاء قبل بعض السفهاء الذين يرون في السلطة ملاذهم الأخير، أما فلسطين ووحدة الدم والمصير الوحدوي المشترك، فهي بالنسبة إليهم مجرد وهم ما بعده وهم، طالما أن السلطة هي العصفور الذي في اليد، أما العشرة الأُخر، فلن يكون لها حظ التحقق أو الوجود، لا سيما ونحن نرى بالشواهد غير القابلة للنقض، وبالعين المجردة، كيف تحولت «بقايا الوطن» إلى مجرد روابط قرى أو مدن مكبرة، حتى لم يبقَ لخطة ليبرمان المسماة «العصا والجزرة» أي داع لتنفيذها تحت مسمى «المشروع التهويدي» لكامل المناطق الفلسطينية المحتلة، ففي طياتها فقد المشروع الوطني الفلسطيني كامل سماته التحررية، ولم يبقَ منه غير سلطة «تسيير أعمال» ليس إلا!

*نقلاً عن "الحياة"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة