أمريكا الحضارة وأمريكا القُبح

محمد آل الشيخ

محمد آل الشيخ

نشر في: آخر تحديث:

يجب أن نفرق بين أمريكا الحضارة وأمريكا الساسة والجيوش والقسوة العسكرية التي لا تعرف الرحمة والرأفة, ولا القيم الإنسانية، وإن ادّعى السياسيون كذباً وزوراً أنهم يجعلونها نصب أعينهم.

أمريكا الحضارة هي التي تتزعم الغرب، وتحقق الإنجاز تلو الإنجاز في كل ما من شأنه خدمة الإنسان والإنسانية. الإنارة الكهربائية مثلاً التي أضاءت العالم، هي اختراع أمريكي, وأغلب المخترعات والاكتشافات الطبية، ومثلها العلاج من الأمراض، هي أيضاً مكتشفات أمريكية. المواصلات بمختلف أنواعها بدأت أفكارها من هناك. وأخيراً وليس قطعاً آخراً, ذلك الاختراع الغريب العجيب الذي هو بالفعل من أعظم ما أنجزته البشرية منذ آدم وحتى اليوم، وهو (الإنترنت)، والذي يتسابق العلماء في كل المجالات لتسخيره في خدمة مجالاتهم، وبه استطاعوا أن يفكوا المغلق من أسرار الكون، هو اختراع غربي محض، نشأ وترعرع وتطور في أمريكا. لذلك أقول بملء فمي: لم يعرف التاريخ على وجه الأرض حضارة عظيمة متفوقة مثل ما هي الحضارة الأمريكية.

وفي المقابل فأمريكا ذات الوجه القبيح المُكفَهر، هي أمريكا السياسة والجيوش وأسلحة الدمار الشامل والتسلط والقتل التي تجلّت جرائمها في أوج أوجها في (نكزاكي) و(هيروشيما)، فقتلت في ومضة عين الآلاف، وشردت الملايين. كذلك في فيتنام حيث أجرم السياسي الأمريكي في توظيف المخترعات التدميرية لإبادة شعب ذنبه فقط أنه رفض أن يذعن ويستكين لهم ولعملائهم. وفي أفغانستان استغل الأمريكيون التأسلم السياسي وأشعلوا جذوة الجهاد، ووجهها إلى مناوئيه آنذاك السوفييت، حتى أثخن بهم الجراح، ولما قضى منهم وطره، أدار لهم ظهره، وتركهم يواجهون واقعهم المرير، ظناً منه أن الإنسان غير الأمريكي بمثابة النعلين، إذا اهترأت ألقى بها في المزبلة، وذهب يبحث عن آخرين يحقق بهم أهدافه وقوّته وسطوته، فكان التمرد والإرهاب، الذي يكتوي الغرب بأكمله بمن فيه الأمريكيون أنفسهم، هي صناعة في المنشأ والأساس أمريكية. وكان لا بد أن يدفعوا هم ثمناً، يحاولون الآن التملص منه، وتحميل غيرهم المسؤولية.

كل ما أريد أن أقوله هنا أننا يجب ألا نخلط بين الحضارة الأمريكية التي تمخر مركباتها الفضاء، بعزم وإصرار لا يعرف الكلل ولا الملل، لتسخير كل أبحاثها لخدمة البشرية، وبين الوجه القبيح لأمريكا التي تمثله على حقيقته قنبلتا نكازاكي وهيروشيما.

وكل الحضارات التي عرفتها البشرية لها وجهان، وجه إنساني مشرق، ووجه دموي مكفهر مخجل. والحضارة الغربية والأمريكية منها على وجه الخصوص ليست استثناءً على هذه الحقيقة الثابتة. لكن الجانب الذي تتميز به الحضارة الغربية المعاصرة عما سبقها من الحضارات، أنّ هناك توجهاً إنسانياً يناوئ الحروب والعنف يزداد المنادون به عدداً مع مرور الوقت، وأنا على يقين أن العالم المعاصر سينتصر فيه السلام والأمن والعدالة على الجانب الأسود الكالح في نهاية المطاف، ليكون العالم كله حضارة سلام.

* نقلا عن "الجزيرة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.