عاجل

البث المباشر

خالد القشطيني

كاتب عراقي مقيم في بريطانيا، إعلامي وباحث أصدر نحو 30 كتابا باللغتين الإنكليزية والعربية تشمل مجالات متعددة مثل السياسة في الشرق الأوسط والفكاهة والدراما

كاتب عراقي مقيم في بريطانيا، إعلامي وباحث أصدر نحو 30 كتابا باللغتين الإنكليزية والعربية تشمل مجالات متعددة مثل السياسة في الشرق الأوسط والفكاهة والدراما

من ظرفاء السياسة العربية:ظريف أمين لبغداد

تولى شؤون العاصمة العراقية في أوائل الحكم الملكي، أي في عشرينات القرن الماضي، السيد عبد المجيد الشاوي. وتميز هذا في الظرف والفكاهة والسخرية. عانى سكان محلة الفضل في بغداد من وجود منطقة الكلجية قريبًا منهم، بل وبجوارهم. وكانت هذه المنطقة معروفة بالفسق والفجور والبغاء العلني. جرت محاولات كثيرة لهدمها والتخلص منها. وبعد اليأس من حمل الحكومة للقيام بهذه الخطوة، قدم سكان محلة الفاضل عريضة للملك يطالبون فيها بإغلاق باب الكلجية نحو محلتهم وفتح باب آخر يطل على شارع الرشيد، العصب الرئيسي لبغداد، وكان هذا الشارع حافلاً بالملاهي. قالوا: «فلتكن بوابة الكلجية من تلك الجهة».

تكلم الملك مع عبد المجيد الشاوي طالبًا منه الاستجابة لهذا الطلب. بيد أنه لم ينفذ ذلك، وظل يماطل في الموضوع. اضطر الملك إلى أن يثير الموضوع مرة ثانية. سأل أمين العاصمة: «لماذا لم تستجب لهذا الطلب البسيط؟»، أجابه قائلاً إنه يتبع القاعدة الفقهية «القديم يبقى على قدمه، والحديث يقلع»، باب الكلجية من الجهة الشمالية، ويبقى هناك في هذا الاتجاه. اغتاظ أحد الوزراء من هذا الموقف، فصرخ قائلا: «ومن قال لك إن باب الكلجية كان دائمًا في هذا الاتجاه نحو محلة الفضل؟».

كان الملك فيصل (رحمه الله) متعلقًا بسوريا التي جلس على عرشها حتى جاء الفرنسيون وأخرجوه منها. ولكنه ظل يحن إليها، لا سيما أنه كان هو الذي قاد الجيش العربي في تحرير دمشق من العثمانيين. وعندما انشغل القوم بكتابة دستور العراق حاول عدة مرات أن يضمنه فقرة تبشّر بضم سوريا إلى العراق. جرى نقاش كثير في الموضوع. التفت أخيرًا الملك إلى أمين العاصمة، وسأله عن رأيه في الموضوع. قال له: «ما لك صامتًا؟ أعطنا رأيك أيضًا».

وهنا انصرف الشاوي للاستشهاد بالفولكلور الشعبي. قال: «يا سيدي يذكرني هذا الموضوع بحكاية الصبية التي أرادت أن تنتقم من الأولاد الذين أخذوا يزعجونها. ذهبت لوالدها وطلبت منه أن يعطيها عصا خيزرانة. سألها: لأي غرض يا ابنتي تريدين هذه العصا؟ قالت: يزعجني الأولاد عند اللعب ويتحرشون بي. إذا عندي عصا، أضربهم بها إذا تحرشوا بي. قال: (يا بنيتي، انت ليش تلعبين مع الأولاد وتشكين منهم. اكتفي باللعب مع البنات واستريحي)».

قال الشاوي للملك: «يا سيدي، نحن ليش نتحارش مع فرنسا وندخل بمشكلات مع الدول الكبرى. عندنا العراق ويكفينا أن نحافظ على سيادته وحدوده بدلاً من أن نطمع بتوسيعها، وندخل بمشكلات مع الدول الأخرى ونكون من الخاسرين».

ضحك القوم ووعوا حكمة القصة الشعبية. صدقوا ما قال، وتحاشوا أي ذكر لسوريا في الدستور العراقي، والحمد لله. وبقي عبد المجيد الشاوي يسوق طرائفه النظيفة منها والبذيئة.

*نقلاً عن "الشرق الأوسط"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة