الطفل وجناح الفراشة

عبد اللطيف الزبيدي

نشر في: آخر تحديث:

ماذا يقرأ الطفل العربيّ؟ ومن هم الذين يكتبون للأطفال العرب؟ مسألة تخفي وراءها سؤالاً: ما هو مستوى التربية والتعليم في إعداد الصغار للغد؟ لسنا مسرفين إلى حدّ تصوّر أن مناهج الحضانة والابتدائية هي المسؤولة عن الوضع العربيّ، بدعوى أن الأساس الواهي هو المتسبّب في تصدّع البنيان. لا تبحث في كل إعصار عن جناح الفراشة. منطق مريح، لولا المشكلة الفيزيائية التي ترى شيئاً من الصعوبة في حمل دنيا العرب بكاملها على جناح فراشة.
لعل أطلال الماضي تلقي الضوء على الحاضر.قبل عقود تألق في الكتابة للأطفال كامل كيلاني ومحمد عطية الإبراشي. كانت مصر آنذاك ربّان سفينة ثقافتنا. معاذ الله أن تكون هذه تورية إلى أنها لاقت مصير «تايتانيك». كان أدب الطفل المزدهر جزءاً لا يتجزأ من الازدهار الثقافي في جميع المجالات. بمقاييس تلك الحقبة كانت كتب الأطفال روائع كيلانيّة إبراشيّة: حكايات مشوّقة، لغة سليمة، فكانت بالرغم من صعوبة النقل والتوزيع، تُسعد فلذات الأكباد مشرقاً ومغربا، وكان الطفل بمجرّد دخول المراهقة يجد حشوداً من أعلام الثقافة العربية كالمصابيح ينيرون له الدروب. السؤال: من هم أعلام الكتابة للطفل في العقود الأخيرة واليوم؟ سيكون الجواب السهل: وهل للكبار روّاد لهم نفوذ معنويّ عربيّ شامل، حتى يظفر الصغار بمثل هذا المقام؟ والسؤال الهازل: ما المستقيم الذي تراه، حتى لم تر غير هذا الاعوجاج؟
كلنا يعرف أن الأمر ليس مستعجلاً، فالحمد لله على وجود المترجَم للطفل والمدبلج، والمستورد في كل ذرّة من محيطه. ينشأ وهو في «سوبرماركت» ماديّ ومعنويّ وذوقيّ، ومع هذا لم يصبح الفتى العربيّ أمميّاً، ولم يتعلم كيف يبدع ويصنع ويخترع ويتألق ويتفوق. لم يعد أحد قادراً على إخفاء الانهيارات وسترها بخطب رنّانة أو إعلام زائف. ههنا علينا إعادة الشريط إلى الوراء لقطةً لقطة، لكي نستطيع إرجاع الإعصار إلى جناح الفراشة، وتصدّع البنيان إلى الأساس الواهي. هؤلاء الكبار الذين نراهم قد عجزوا عن فعل أيّ شيء للأوطان، ألم يكونوا شباباً مهمّشاً محروماً من كل سبل حسن استخدام كتلة المئة مليار خليّة في الجمجمة؟ وأولئك الشبان، ألم يكونوا في الحضانة والابتدائية؟ فما هو مستوى التربية والتعليم الذي أعدّهم للغد الذي هو اليوم؟ كيف كان أدبهم وفنّهم، ومن هم الذين كانوا يربّون أذواقهم ويُعدّونهم لبناء المستقبل العربيّ؟
لزوم ما يلزم: النتيجة اللغويّة: هول مشكلات الطفل العربيّ، يجعل خوضها تطفلاً طفيليّاً.

نقلاً عن "الخليج"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.