عاجل

البث المباشر

تيريزا ماي وصراع المحافظين حول "بريكزيت"

يحلو للبريطانية تيريزا ماي أن تُشبَّه بزعيمة ألمانيا أنغيلا مركل «الأممية» فيما تبدو وكأنها تقترب من زعيمة يمين فرنسا المتطرف مارين لوبن. وبدأت ملامح السياسة الأوروبية لهذه الأخيرة تظهر على نهج ماي منذ الاستفتاء الأخير في شأن عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي. على الأقل هذا هو الانطباع الذي يتكون تدريجياً منذ استلامها زعامة حزب المحافظين الحاكم ورئاسة الحكومة خلفاً لديفيد كاميرون إثر فشل حكومته بإقناع البريطانيين بالبقاء في الاتحاد الأوروبي، في استفتاء لم يُعد له جيداً في الصيف الماضي.

فمن خاض حملة خروج بريطانيا من أوروبا (بريكزيت) من المحافظين يواصلون ادعاءهم من دون خجل، من فوق مقاعدهم في الحكومة، بأنهم يعملون لإقامة بريطانيا متجددة ومنفتحة تؤمن بالتجارة الحرة من دون قيود ومن دون أن تكون عضواً في الاتحاد. وليس واضحاً كيف يمكن تحقيق ذلك لبلد يقترب تدريجياً من لحظة التوقيع الرسمي على انفصاله عن ذاك الاتحاد. لكن الجلي أن بريطانيا تتحول عملياً وبخطى سريعة نحو الداخل مهما ردد السياسيون.

تيريزا ماي نفسها أوضحت رؤيتها لمستقبل بريطانيا اخيراً في مؤتمر حزبها السنوي العام، عندما أعلنت أنها ستُفعِّل عملية الخروج من الاتحاد الأوروبي في نيسان (أبريل) المقبل مع تأكيدها أن تكون للسيطرة التامة على الهجرة (أي الانسحاب من السوق الواحدة في الاتحاد الأوروبي) الأولوية في مفاوضات «بريكزيت» المتوقعة. وهذا يضع بريطانيا في تناقض واضح إذ لا يمكن لها وهي خارج الاتحاد، أن تتمتع بعضوية سوق أقيمت أساساً لأعضائه.

لذلك فدول الاتحاد على صواب عندما تتمسك بحق حرية الحركة في ما بينها كركن مركزي للسوق الواحدة، وهذا ما حدا بمركل وزعماء أوروبيين آخرين، لا سيما الرئيس الفرنسي فرنسوا أولاند، لاتخاذ موقف متشدد إزاء بريطانيا. ولعل هذا ما يفسر الهبوط السريع للجنيه الإسترليني في أسواق عملات تتوقع أذىً اقتصادياً كبيراً جراء تطبيق «بريكزيت» بإقامة الحدود أمام التبادل التجاري، كالرسوم الجمركية وشهادات المنشأ ورسوم الواردات والقوانين الجديدة، التي ستفصل أسواق بريطانيا عن أسواق الاتحاد بما يلحق الضرر «بنصف إجمالي تجارة بريطانيا تقريباً»، وفقاً لتوقعات غرف تجارية بريطانية عدة.

وترى بعض هذه الدوائر أن تيريزا ماي تنزع تحت ضغط يمين المحافظين وأعضاء «بريكزيت» النافذين في حكومتها، كوزير الخارجية بوريس جونسون، نحو تبني سياسات هذا اليمين بالنسبة الى أوروبا. فجونسون، مثلاً، يجسد هاجساً لها لأنه يبقى الأوفر حظاً والأقوى سياسياً لمنافستها على زعامة الحزب. وبالتالي، فهي لم تهيئ فحسب الظروف الملائمة للانسحاب من الاتحاد، بل إنها تتبنى بعمق رؤية جديدة ومختلفة عن رؤية سلفها إزاء مستقبل بريطانيا، قوامها المزيد من إجراءات الاقتصاد التدخلية والاعتزاز الوطني والفوبيا الثقافية.

وبدأ يكثر الكلام حول كيف أن رئيسة حكومة غير منتخبة شعبياً (شغلت المنصب لشغوره ومن دون منافسة برلمانية)، بدأت ترفض مضمون المانيفستو الانتخابي الليبرالي لسلفها (الذي على أساسه خاض انتخابات العام الماضي وفاز فيها) وسياسة الراحلة مارغريت ثاتشر الكونية لعقد الثمانينات، وتشطب بجرة قلم تقليداً طويلاً من الانفتاح الليبرالي على الآخرين يعود إلى انضمام بريطانيا للاتحاد الأوروبي في 1974.

تيريزا ماي لم تُظهر منذ البداية عندما كانت وزيرة للداخلية في حكومة كاميرون حماسة ملحوظة للبقاء في الاتحاد. فهي كانت داعمة ولكن صامتة أثناء حملة «بريكزيت»، وباتت الآن تكشف عن تأثرها بشعبوية الانفصاليين داخل حزبها وخارجه وبدأت تنتقد «النخب الدولية» من البريطانيين ذوي التطلعات الكوزموبوليتية. ففي خطابها أمام المؤتمر العام للمحافظين كشفت من دون لبس عن هذه الميول بقولها: «انتبهوا لطريقة خطاب الكثيرين من السياسيين والمعلقين عندما يتحدثون أمام الرأي العام. فهم يرون في حماستكم للوطن أمراً مقيتاً، وقلقكم تجاه الهجرة سخيفاً، ومخاوفكم من الجريمة مسألة غير ليبرالية».

تبدو ماي وهي تقول هذه الكلمات وكأنها تردد صدى متطرفين أوروبيين مثل لوبن ورئيس وزراء هنغاريا فيكتور أوربان اللذين يضعان المسألة الوطنية الضيقة في الصف الأول. وتضيف تيريزا ماي في مؤتمر الحزب: «إذا كان أحدكم يعتقد أنه مجرد مواطن عالمي، فأنت مواطن غير منتمٍ لوطن، إذ أنك لا تعي ما هو معنى كلمة مواطن»، وكأنها تقول إن الحديث عن الانتماء إلى إطار أوسع (أي أوروبا) مسألة غير بريطانية تماماً. كما طالبت في خطابها من كبريات الشركات البريطانية العاملة في بريطانيا النظر نحو العمالة البريطانية «بروح المواطنة»، وهو تعبير يماثل ما تردده لوبن وهي تخاطب الشركات الفرنسية حول ضرورة «تفضيل الخيار الوطني» عندما تقرر توظيف العمال.

هذه ليست مصادفة أو مجرد كلمات ترددها تيريزا ماي لتعزز مركزها القيادي كزعيمة جديدة للحزب، فهي تستخدم قضية الأوروبيين العاملين في بريطانيا كأحد الأسلحة المهمة في تفاوضها حول «بريكزيت». فهي تريد أن تُبقي الراغبين في الهجرة من الاتحاد إلى بريطانيا في المستقبل بعيداً من بلادها بحجة أنهم يأخذون فرص العمالة البريطانية ويُخفِضون الأجور وهذا أمر غير دقيق. خليفتها في وزارة الداخلية أمبر راد، والمعروف عنها سابقاً ليبراليتها تجاه أوروبا، ذهبت أبعد من تيريزا ماي عندما دعت الشركات البريطانية لأن تُعد لوائح بأسماء موظفيها غير البريطانيين، بهدف فضح الشركات التي لا توظف «عدداً كافياً» من البريطانيين. طبعاً لم تحدد راد ما يمكن أن تعتبره «عدداً كافياً»، لكن المقصود في النهاية التأكيد على تغير نوعي في نهج التعامل مع أوروبا.

كل من مارين لوبن والمجري أوربان يرفع شعار «وظائف بلدي لأبنائه». في منتصف السبعينات ومع نهوض يمين عنصري في بريطانيا ضد الهجرة من مستعمراتها السابقة في آسيا، مثّله حزب الجبهة القومية، رفع شعار «وظائف بريطانيا لعمالها». وثمة من يطرح هذه السياسة في حكومة تيريزا ماي التي ترغب في أن تصبح بلادها «مكتفية ذاتياً» في الرعاية الصحية قبل نهاية 2025. ولكن كيف يمكن أن يتم ذلك مع وجود طبيب مهاجر بين كل ثلاثة أطباء في بريطانيا؟

نقلاً عن الحياة

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات