هل يكره ترمب المسلمين؟

ممدوح المهيني

نشر في: آخر تحديث:

على طريقة وعاظ المساجد في التحذير المستمر من النهاية القريبة للعالم بسبب كثرة الذنوب، حذّرنا بعض الكتّاب والمعلقين خلال شهور من المصيبة التي ستقع إذا ما انتخب ترمب رئيساً لأميركا. وصفوه بالكلب والحقير والخنزير والواطي والمعتوه في تجاهل غريب لشخص قد يصبح رسمياً رئيساً منتخباً. من حق أي أحد أن يصف شخصا بما يريد خصوصا إذا كان شخصية عامة لأن حرية الشتم مكفولة للجميع، ولكن الخطورة أنها تحولت لمكارثية استخدمت أسلوب الشتم والانتقاص والتخوين بهدف إجبار الناس على طريقة تفكير قطيعية واحدة ولم تترك فرصة للاختلاف ورؤية الأمور من زاوية أخرى.

الآن ترمب هو رئيس أقوى دولة في العالم ومن الأفضل تجاهل كل المبالغات والنزعات المزاجية والنفسية الحادة والعودة وقراءة المشهد من جديد بروح واقعية. ولكن قبل الحديث عن ترمب من المهم الحديث على أن هيلاري، وهي سياسية متمرسة وخبيرة، كانت خيارا غير مناسب لمنطقتنا لأن نظرتها للعالم لا تناسبنا حتى لو كانت أفضل من رؤية الرئيس أوباما. هيلاري مدافعة شرسة عن الاتفاق النووي وناعمة جدا في الحديث عن الميليشيات الإيرانية المنتشرة في الدول العربية ومتعاطفة مع جماعات الإسلام السياسي بحجة أنها بديل مناسب لإسلام المتطرفين في تجاهل أميركي ليبرالي تبسيطي متكرر إلا أن الاثنين اسمان مختلفان لشيء واحد. بالطبع كونها امرأة سيكون حدثا هائلا في التاريخ الإنساني لو أصبحت زعيمة العالم ولكن جنسها لا يهم إذا كانت سياساتها تصب في صالح المشروع الإيراني المعادي وليست في صالحنا.

كلينتون محقة في مسألة التدخل في سوريا ولكن حتى هذه الخطوة تراجعت عنها ومن المرجح أنها لن تفعلها خصوصا مع ضغوطات حزبها الديمقراطي في مرحلة "ما بعد أوباما" الذي سيجبرها على التراجع. فريق أوباما ورجاله الذي نمر في عهده بأسوأ مرحلة سيعودون مع هيلاري ولكن بأسماء ومناصب جديدة وكأن شيئا لم يتغير، ومن المريح أن نرى هذا الفريق يلملم أوراقه ويخرج تماما من البيت الأبيض ومن سلطة القرار ويأتي فريق ترمب المختلف عنه كليا.

قراءة ترمب أكثر تعقيداً بسبب الخلط بين ثلاث شخصيات عبّر عنها ترمب في مراحل مختلفة ولا علاقة لكل واحدة بالأخرى. ترمب رجل المال والأعمال يختلف عن ترمب المرشح الانتخابي، ومناقض تماما للرئيس ترمب الذي تحدث بنبرة عاقلة وهادئة متوقعة في خطاب النصر الذي ألقاه بعد فوزه.

استخدم ترمب بذكاء في حملته الانتخابية اللغة الغريزية البسيطة من أجل تحريك القاعدة الشعبية البيضاء التي صعد من خلالها منذ البداية، ومن الغباء والسذاجة السياسية البالغة أن يقوم بإثارة غضبها ويقول شيئا ضد رغباتها. لأجل ذلك قال أشهر تصريحاته المثيرة للجدل مثل حديثه عن منع المسلمين وطرد المهاجرين والهجوم على بعض النساء. ولكن حتى هذه التصريحات قام بتعديلها حتى أنه حذف يوم أمس من موقع حملته الجملة التي اعتبرت مسيئة للمسلمين.

ولكن إذا تأملنا في حقيقة تصريحاته وبدون خوف فسنجد أنها منطقية بعد التعديل. بناء جدار عازل مع المكسيك ضروري لمنع المهاجرين غير الشرعيين من الدخول بشكل غير قانوني إلى بلاده. الذين يقولون إن الجدران العازلة فكرة عنصرية قبيحة وتنتمي للماضي حالمون يعيشون في وهم سقوط الجدران بين الدول ولكنها في الحقيقة فكرة عملية أثبتت نجاحها في دول عديدة بمنع عمليات التهريب وتسلل عصابات السطو والمخدرات. لو فعلها أي مسؤول لدينا لحظي بالتكريم ولكن عندما نادى بها ترمب تحول إلى عنصري حقير. هذا جزء من الدعاية الصحافية المضادة لإسقاطه في عيون الناخبين الأميركيين ولكننا ابتلعنا الطعم.

حديثه المسيء عن المسلمين تراجع عنه وعبّر بصراحة عن رأي منطقي وهو أنه ضد المسلمين المتشددين والإخوان المسلمين. هذه السياسة مفيدة لنا أكثر من الأميركيين أنفسهم لأن الإرهابيين يتكاثرون في البيئات العربية والإسلامية أكثر من أميركا والقضاء عليهم ومحاربتهم بشكل مباشر وصريح أفضل من نهج هيلاري التصالحي معهم.

الإعلام الأميركي استغل بذكاء هذا التصريح ليس حباً في المسلمين ودفاعا عنهم ولكن كسلاح في حملة منظمة لتلطيخ صورته وإظهاره بزي الإنجيلي المتزمت. ولكن بسبب حملة السخرية والشتم المتواصلة لم ننتبه لتصريحات إيجابية أدلى بها ترمب عن النظام الإيراني وداعش وعزمه على إعادة التحالف مع أصدقاء أميركا العرب الذين عاداهم أوباما وأسماهم الراكبين بالمجان.

من جهة أخرى فإن شخصية ترمب رجل المال والأعمال التي سبقت ترمب الانتخابي هو شخصية ليبرالية متسامحة في صميمها ولم تعرف عنها مواقف ضد المسلمين أو الأقليات الأخرى. ومن يشاهد خطاباته التي تحدث فيها عن رحلته في عالم المال يدرك بدون تضليل أنه ليس أهوج أو مغفلًا كما يقال عنه.

أما شخصية ترمب الرئيس بدأت ملامحها المشجعة حتى قبل أن يتوّج مؤخرا عندما اختار نائبه مايك بينس وهو شخصية جمهورية رصينة وكانت علامة أكيدة على أنه يفكر بمنطقية. والأنباء الأخيرة تؤكد على أنه سيختار فريقا جمهوريا جديدا، مثل رودي جولياني وكريستي ونيوت جينجريتش وبوب كروكر وكلها شخصيات صقورية قوية ستحقق رؤيته بمواجهة المشروع الروسي الإيراني. وفي أول خطاب كرئيس بدّل ترمب بسرعة جلد الغوغائي وتحدث بلغة هادئة ومتزنة فقد أصبح الآن رئيس كل الأميركيين بكل أديانهم وأعراقهم ومن المؤكد أن المناصب تجعل الرجال المجانين عقلاء بسبب المسؤولية الملقاة على عاتقهم.

هذا تحليل سريع للتطورات الأخيرة وقد لا يكون مصيباً، ولكن من الصعب أن نصدق تحليلات الوعظ السياسي بأن ترمب سيكون ستالين أو موسيليني الجديد، وكأن أميركا الليبرالية بلد القوانين والمؤسسات الراسخة لا تختلف عن جمهورية رومانيا الاشتراكية، وبأن الحزب الجمهوري هو التوأم السيامي لحزب البعث.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.