الخطوط السياسية لعهد ترامب

صالح عبد الرحمن المانع

نشر في: آخر تحديث:

جاء فوز المرشح الجمهوري دونالد ترامب في الانتخابات الأميركية فجر يوم الثلاثاء الماضي كزلزال سياسي لم يتوقعه أحد. فقبل أحد عشر يوماً من الانتخابات كانت هيلاري كلينتون، المرشحة الديموقراطية، تتقدم على ترامب بتسع نقاط، غير أنّ رسالة رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي «جيمس كومي» إلى الكونجرس في ذلك التوقيت، يُشعر فيها الكونجرس بأنه ما زال يحقق في الرسائل الإلكترونية للمرشحة الديموقراطية، وفي مدى مخالفتها للقانون الأميركي من عدمه، كانت هي القشة التي قصمت ظهر فرص نجاح كلينتون في الانتخابات.

والغريب في الأمر، أنّ معظم توجهات قياس واستطلاع الرأي قد فشلت في التنبؤ بنتيجة الانتخابات، مثلما فشلت من قبل في التنبؤ بنتيجة الاستفتاء على الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي «البريكسيت»، خلال صيف هذا العام.

وقد عدتُ للتوّ من رحلة إلى الولايات المتحدة، وكنت أرى أنّ الاقتصاد الأميركي يتمتع بوضع جيد، وهناك مناضد في معظم أماكن التسوق العامة، تطلب تعيين موظفين جدد. وفي الأغلب فإن هؤلاء الموظفين هم في العادة ممن يعملون في مجال المبيعات خلال الشهرين القادمين في موسم الأعياد، الذي يشهد عادة إقبالاً كبيراً من الناس على شراء السلع والهدايا الموسمية. ومع أنّ نسبة العاطلين عن العمل في الولايات المتحدة في الوقت الحاضر لا تتعدّى 5,30% إلا أنّ معظم الوظائف المتاحة هي وظائف متدنية في مجال الخدمات، ويشغلها في الغالب المهاجرون والطلاب وصغار السن، أما الوظائف الصناعية فقد هاجرت مع الاستثمارات إلى الصين وشرق آسيا. وفقدان مثل هذه الوظائف، خاصةً في الولايات الصناعية مثل ميشيجان وأوهايو، هو التي دفع بالناخبين من البيض إلى انتخاب المرشح الجمهوري، ترامب.

ويزعم ساسة أميركيون أيضاً أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد لعب دوراً كبيراً في إفشال حملة كلينتون الانتخابية، بتسريبه بين فينةٍ وأخرى، عبر «ويكيليكس»، رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بالمرشحة الديموقراطية. وستكون روسيا هي أول المستفيدين من فوز ترامب، الذي ستكون سياسته الخارجية سياسة انعزالية بعيداً عن الحلفاء في أوروبا واليابان وأميركا الجنوبية.

وعلى رغم اتهام العديد من منتقدي ترامب له بالعنصرية في تعامله مع المسلمين والمكسيكيين والنساء وغيرهم في الولايات المتحدة، إلا أنّ سياساته الفعلية بعد تسلم زمام الحُكم لن تكون بنفس الحدّة من التطرّف التي اتّسمت به تصريحاته أثناء حملته الانتخابية. فترامب رجل تاجر بطبعه، وله استثمارات متعددة في جميع أنحاء العالم، بما فيها منطقة الخليج العربي، ولن يكون باستطاعته أن يغلق أبواب أميركا أمام المهاجرين من بقية أنحاء العالم، أو منع الاستثمارات التي تذهب إلى الصين أو إلى شرق آسيا، بسبب رخص الأيدي العاملة فيها، مقارنةً بتكلفة الإنتاج العالية في البلدان الغربية.

غير أنّ فوز ترامب، يمكن النظر إليه ضمن توجه عالمي نحو أقصى اليمين. ففي الفلبين، نجح رئيس يميني في الوصول إلى السلطة، يُقال إنه لا يُلقي بالاً لتطبيق الإجراءات القانونية والقوانين الجنائية في البلاد. وفي بعض بلدان شرق أوروبا وصل بعض المتطرفين السياسيين إلى السلطة، بناءً على تخوّف المواطنين من الهجرة الجماعية للسوريين وغيرهم من ضحايا الحروب الأهلية في العالم، إلى القارة العجوز. وهكذا، فإنّ مثل هذا التوجه العالمي سينتج عنه تقليص فرص الهجرة للفقراء في العالم، وكذلك ظهور بوادر حروب اقتصادية تحول دون تحرير التجارة العالمية التي كانت هدفاً سياسياً واقتصادياً للعالم الغربي منذ عدّة عقود. وتكاد مثل هذه الحقبة تتوارى بفضل تصريحات الرئيس المنتخب ترامب، بأنه سيعيد النظر في التزامات أميركا نحو الاتفاقيات التجارية التي عقدتها مع كلٍ من كندا والمكسيك، ناهيك عن اتفاقيات التجارة الحرة أيضاً مع بعض البلدان الآسيوية.

وفي مجال التحالفات العسكرية، فإنّ رئاسة ترامب ستشهد تقليصاً لالتزام أميركا بحماية بلدان غرب أوروبا، وسيضطر حلف «الناتو» إلى تقليص اعتماده على الولايات المتحدة مالياً وعسكرياً، مما يعني أنّ بقية الدول الأوروبية سيُطلب منها إرسال المزيد من الأموال لدعم خزينة الحلف، وكذلك زيادة مساهمتها في عدد جنود «الناتو».

وفي الخليج العربي، لن تشهد مبدئياً تحولاً أميركياً كبيراً في السياسة الخارجية، أو في التزام أميركا بحماية بلدان الخليج، على رغم احتمال مطالبة إدارة ترامب بزيادة إنفاق دول الخليج على المجالات الدفاعية. أما إيران فمتخوفة من إلغاء اتفاقها النووي مع الولايات المتحدة، خاصةً في ضوء سيطرة الحزب الجمهوري على السلطة التشريعية في الكونجرس وفوز مرشحة ترامب بمنصب الرئاسة.

وهناك قضايا أخرى مهمة وملحّة، مثل موقف الولايات المتحدة من القضية الفلسطينية، والمسألة السورية، والعراق، وغيرها. وكلها قضايا تحتاج إلى دراسة معمّقة لمستقبل السياسة الأميركية حيالها، في ظل رئاسة ترامب للولايات المتحدة.

*نقلاً عن "الاتحاد" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.