موت سارية القلعة المنهارة

راجح الخوري

نشر في: آخر تحديث:

مثل سارية هرِمة على ركام قلعة متداعية مات فيديل كاسترو، ذلك الذي شغل العالم لوقت طويل منذ وصل في ٢ كانون الثاني من عام ١٩٥٦ الى الشاطئ الكوبي، على متن قارب صغير يدعى غرانما يرافقه ٨٢ رجلاً لم يبق منهم سوى عشرة رجال، بدأوا ثورة ستقتلع الديكتاتور فولجنسيو باتيستا بعد ثلاثة اعوام، وتحوّل كوبا مذذاك شوكة سوفياتية مؤلمة في خاصرة الولايات المتحدة الأميركية عاصمة الرأسمالية.
بعد ستة عقود من ذلك التاريخ مات كاسترو مثل شاهد أخير، أو مثل متمرد نجح في ان يبقى ليعاين موت الشيوعية التي قاتل لها وبها وقاتلت له وبه، ونجح ايضاً في ان يرى الملامح الأولى لنهاية تقترب سريعاً من عصر الليبرالية. ولست أغالي إذا قلت إنه منذ دخل فيديل كاسترو واجهة السياسة الدولية وخرج اخيراً الى ذاكرتها تغيّر العالم جذرياً، انهارت أمبراطوريات وانقلبت توازنات وانتهت عداءات. ولقد كان رفع العلم الأميركي في هافانا آخر منغصاتها التي لم يكن يحب ان يراها قبل ان يرتحل، العلم الذي قاتله طوال حياته يرتفع مجدداً في عاصمته.
لكنه الزمن وسنّة التطور أو بالأحرى طبيعة التحوّلات، والمنغصات كثيرة منذ أطلقت دبابات بوريس يلتسين قذائفها على الكرملين. صحيح ان فلاديمير بوتين يحاول إعادة البصمات الروسية من القرم الى سوريا مروراً بأوكرانيا، لكن ذلك عند رجال مثل كاسترو لا يمكن ان يقارن مثلاً بذلك النهار ٢٣ أيلول من عام ١٩٦٠ عندما اجتمع به نيكيتا خروشوف وذهب الى الأمم المتحدة وألقى خطابه الشهير الذي توعد فيه بدفن أميركا.
لكن الزمن دفن خروشوف ودفن الاتحاد السوفياتي كأمبراطورية من الخردة بعد بيريسترويكا ميخائيل غورباتشوف، ولم تعد سلسلة جبال سييرا مايسترا التي خرج منها كاسترو رافعاً علم الثورة الشيوعية في وجه أميركا توحي الى الشعراء بالقصائد، لم يعد رفيقه تشي غيفارا أيقونة الثوار وحلم الملايين يطرق الأبواب او يدخل الرؤوس، صار مجرد ذكرى من الماضي الجميل الذي مر سريعاً، ومنذ قتلته الاستخبارات الأميركية عام ١٩٦٧ في غابات بوليفيا ماتت الثورة تقريباً في أميركا اللاتينية.
من ينظر الى قصور فلاديمير بوتين وحاشيته الباذخة يعرف ان لوثة الرأسمالية تضرب عميقاً في الثقافة السياسية السائدة في موسكو. أحلام لينين دفنت كلها الى جانبه. كل هذا عرفه فيديل كاسترو الذي رأى الانهيار بعينيه، وهو الذي لم يصنع للكوبيين سوى سعادة الفقر والرضى بالعوز.
يرتحل كاسترو ويصل الغوغائي دونالد ترامب، في حين ترتفع الشعبويات البغيضة في أرجاء القارة الاوروبية، فهل كثير اذا تجاسرت في الحديث عن بداية نهاية تقترب سريعاً من الليبرالية، وقلت إن كاسترو غادر عالماً لم يكن منه ولا فيه!

*نقلا عن صحيفة "النهار".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.