هل يفعلها ترامب؟

حمد الكعبي

نشر في: آخر تحديث:

يرى مراقبون أن الاتفاق النووي الإيراني مع الدول الست بات الآن في مهب الريح بعد فوز الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، بالنظر إلى تعهده بتمزيق ذلك الاتفاق وإعادة إيران إلى مرحلة المفاوضات الصفرية لإقناع العالم والمجتمع الدولي من جديد بالتحدي الماثل في البرنامج النووي الذي تأمل في تحقيقه، وخاصة أن أجندتها أصبحت مكشوفة برعايتها للإرهاب ودعمها للمليشيات المسجلة على رأس القوائم الإرهابية في العالم، علاوة على الملف السلبي لحقوق الإنسان، وممارستها الصعبة تجاه الإيرانيين والأقليات والطوائف الأخرى. والسؤال هنا: هل يستطيع ترامب فعلاً تمزيق الاتفاق النووي، ورميه في سلة المهملات؟ أم أنه سيعيد الاتفاق إلى طاولة المفاوضات مرة أخرى، لإعادة صياغة بنود فيه حسب المتغيرات الحالية، وبما يتناسب مع رؤية المجتمع الدولي من جديد.

في كلتا الحالتين لا فرق سواء تمت إعادة الاتفاقية إلى مرحلة المفاوضات، أو تم إلغاؤه ورفضه من الأساس، والمهم ليس تعديل بعض صياغات تلك الاتفاقية التي عملت على شرعنة عمل إيران النووي، ولكن الأهم هو: هل يستطيع ترامب إجبار طهران على التخلي عن تخصيب اليورانيوم، وعدم السعي لامتلاك قدرات نووية قد تهدد بها جيرانها، والكف عن ممارساتها وسلوكياتها غير الودية تجاه المنطقة وشعوبها.

ويرى بعض المسؤولين في إدارة أوباما أنه من الخطأ تعطيل تلك الاتفاقية التي يمكن أن يتم بموجبها إيقاف نشاط التسليح النووي الإيراني، وتوجيه الإيرانيين لسعي لامتلاك طاقة نووية مستغلة في الأغراض السلمية. ولكن حينما يكون الاتفاق مع طرف ذي سلوك دولي مثل إيران، وممارسات في دعم الإرهاب وتأجيج الفتن، يكون من الضروري جداً ليس فقط تعطيل الاتفاق، وإنما بذل كل السبل التي تمنعها من تهديد الأمن والسلم الدوليين، وتمنعها أيضاً من التدخل في شؤون المنطقة، حتى تظهر عكس ذلك تماماً وتحسن نواياها، وتعمل على تنظيف سجلاتها في حقوق الإنسان، وتمنع بعض الملالي المتشددين من السعي لإثارة الفتن وتأجيج الاضطرابات.

لا أحد يقف ضد مصالح إيران والتعاون معها إذا ما عملت على المشاركة الصادقة في تنمية المنطقة، والانخراط بإيجابية في المجتمع الدولي، بما يضمن سلامة الشعوب والمجتمعات، بل سيعمل الجميع حينها على دعمها ومساعدتها في كل ما تحتاج إليه. ولكن التدخلات الفجة، وخطابة الحقد والضغينة التي تشنها أطراف متشددة هناك ضد من حولها، هما ما يدعو إلى مواجهة خططها وأجندتها وعبثها في المنطقة.

كما يبدو أيضاً أنه مع التوصل إلى الاتفاق النووي وفتح السوق الإيراني للشركات الأجنبية وانفراج أزمة السيولة في الداخل سيفتح كل ذلك أنظار الشعب الإيراني بأكمله للرغبة في الحصول على حصص من الكعكة، والاستفادة من الموارد التي جنتها طهران بموجب ذلك الاتفاق.

إلا أن النظام الإيراني ولرغبته في الاستمرار في تصدير ثورته ودعمه للمنظمات الإرهابية ومدها بالسلاح والعتاد كل ذلك يحتاج إلى ميزانيات ضخمة حتى يتم تنفيذه، وهذا طبعاً سيكون مخصوماً من نصيب الشعب الإيراني والطوائف والأقليات المهمشة التي عانت الأمرّين من سلوك النظام الإيراني طيلة الفترة الماضية. والتصعيد في الخارج هو المبرر الوحيد الذي يستطيع النظام مواجهة الشعب في الداخل به، لإقناعه بضرورة مواصلة مد الجماعات المتطرفة بالمال والسلاح والعمل على تمويل الحروب، بدعوى وجود خطر خارجي.

وفيما يتعلق بموقف ترامب قد تبدو الأمور سهلة في الظاهر، فالرئيس الأميركي الجديد يملك الصلاحيات اللازمة لإلغاء الاتفاق، إلا أن الأمور أكثر تعقيداً أيضاً في العمق، إذ لم يكن الاتفاق النووي أميركياً- إيرانياً فقط، وإنما كان اتفاقاً دولياً متعدد الأطراف، ومتضمناً بقرار من مجلس الأمن الدولي. وبافتراض أن ترامب سيلغي الاتفاق من الجانب الأميركي، فإن الاتفاق سيبقى قائماً وملزماً مع ذلك للدول الخمس الأخرى: روسيا والصين وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة. وبسبب الطابع الدولي والأممي للاتفاق، فلن يقتصر الأمر على العلاقات بين واشنطن وطهران، وإنما سيمتد إلى علاقات أميركا مع موسكو وبكين وبرلين وباريس ولندن. وإلى جانب كل ذلك، قد تكون هناك أيضاً مصالح أميركية داخلية اقتصادية تحبذ الاتفاق مع إيران رغبة منها في جني بعض المزايا من جراء الاتفاق. وهذا ما يعيد السؤال مرة أخرى: هل سيلغي ترامب الاتفاق في النهاية؟ هل يفعلها ترامب؟

*نقلا عن صحيفة "الاتحاد" الإماراتية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.