الرجاء ممن يعرف عنه شيئاً

سمير عطا الله

نشر في: آخر تحديث:

نشأ الكوميدي الأميركي ديك غريغوري فقيراً في مدينة سانت لويس، ثم طفق في الولايات يطلب الشهرة والحياة الأفضل. ولما عاد إلى المدينة، ثرياً وشهيراً، احتفى به المجلس البلدي، وقدم له مفتاح المدينة. بعد الاحتفال، ذهب إلى فندق يطلب غرفة، فقالت له موظفة الاستقبال: "آسفة، فإننا هنا لا نقبل الزنوج". واطلق يومها الجملة التي ذهبت مثلاً: "لقد اعطوني مفتاح المدينة، وغيروا القفل".

بحث لبنان عن مفتاح الدولة طوال زمن، فلما عثر عليه، تاه القفل. وكان من الصعب الاقتناع أن ضياع المفتاح والعثور عليه "صناعة لبنانية مية بالمية". أما تضييع القفل، فلا شك، ولا زغل، في صفوته. نحن البلد الوحيد الذي تُحدِّد فيه الحقيبة مكانة حاملها، والدولة الوحيدة التي يؤلف فيها الحكومة طالبو التوزير، وليس "الرئيس المكلف". مكلًّفٌ ماذا إذن؟ هذا الذي سماه مجلس النواب باكثرية كبرى، وقبله انتُخب بشبه الاجماع، رئيس الجمهورية وحامل اختامها، واستطراداً، آلامها؟

ظلت ايطاليا نحو نصف قرن تغيّر حكوماتها كل سنة، أو اقل. وحكومات "الجمهورية الرابعة" كانت تتساقط مع الخريف. ولكن ما من دولة جرى فيها نقاش علني حول ما يمكن أن يُقبل من نوعيات الحقائب وما يُرفض وما يُعتذر عنه. وما من شعب ينظر إلى الوزارات على انها سيادية أو غير سيادية، وخصوصاً في بلد لا يتذكر السيادة إلا عندما يحضر "البابا نويل" ومعه جرابه.

كان وزير الدفاع عند ديغول بيار مسمير، ووزير الثقافة أندريه مالرو، فأيهما كانت آنذاك الوزارة السيادية؟ ولكن أيضاً لماذا لا يحق لمكون لبناني حقيبة "سيادية" مثل سواه؟ هل هو أقل وطنية من غيره؟ ضاع القفل في هذا الحوار البابلي. فريق لا يقبل المشاركة إلا بحقيبة محددة، وفريق لا يرضى بأن يحمل "شريكه" تلك الحقيبة. هل هي حكومة الجميع، ولو اضداداً، أم حكومة النقض؟

مؤسف أنه بعد بلوغ أولى درجات الخلاص مع انتخاب الرئيس ميشال عون، عدنا فانحدرنا بهذه السرعة، نحو مفارق الاضطراب ومزالق القلق.
العادات القديمة تزول بصعوبة، يقول المثل. لكن المشكلة الكبرى في جدل الحصص، إنه علني وعلى السطوح. سوف يتساءل أي مواطن في أي زاوية، لماذا لا يبقى أكثر وزراء الصحة شجاعة في مكانه، وائل أبو فاعور. هل الأولوية، في وزارة حيوية وفوق السيادية، للكفاية أم لخريطة التوزيع؟ وسوف يتساءل الجميع، همساً ويأساً، وحزناً ابدياً،إلى متى لا يحق لذوي الكفاءات الكبرى ما يحق لذوي الحظوظ الحزبية؟ هل الوزارات ارضاء للحصص أم ارضاء للكفاية والأداء والضمير؟

في حلبة اليأس هذه يتسلى وليد جنبلاط بكتابة الافتتاحيات والاحجيات الصغيرة مرفقة برسوم تزيد في السلوى. والاسبوع الماضي فاته أن يشرح لمتابعيه، أو للصحف التي تعيد النشر، ان الفارس البادي في الصورة على حصانه، هو دون كيخوته، وإلى جانبه، على حماره، رفيقه سانشو. هل نشر الرسم مساهمة منه في الاحتفاء باربعمئة عام على ولادة سرفانتس، العظيم، مؤلف هذه التحفة الإنسانية التي لم يجارها أي عمل مماثل في أربعة قرون، أم مجرد اشارة محلية إلى واقع الحال؟ احلام وطواحين هواء.

فلننتظر التغريدة التالية. إنه أسهل من انتظار الاشياء الجدية في الحياة. ففيما ينتظر السياسيون لائحة الحقائب، ينتظر مئات الآلاف من البسطاء وعداً بغد ليس فيه ألم ولا خوف ولا هجرة ولا افلاس ولا تسريح من العمل أو من المستشفيات.

هؤلاء جميعاً ليس لهم من يمثلهم. ولا من يحكي باسمهم. كبرياؤهم تمنعهم من الإثنين، لكن العار على الذين لا يسمعون صمت الألم المكتوم، ولا يرون المكابرة في ملامح المعذبين. و "المعذبون أو المعدمون في الأرض" ليسوا فقط مسحوقي الاستعمار الذين تحدث عنهم فرانز فانون، إنهم أيضاً ضحايا القسوة والبلادة الوطنية. وضحايا الاهمال واللامبالاة. وضحايا النكد في العمل السياسي، حيث لا يرمى إلى الوطن ألاّ شعارات، وإلى المواطن إلا الشعائر.

اعتدنا الزيف حتى أصبح هو المألوف وهو التقليد. وثمة من يريد اقناع الجنرال عون بأن لا رئيس قوياً في لبنان، وإنما هناك تيارات استقوائية ترسم شكل السلطة والدروب اليها. والصور مليئة بالابتسامات، لكن الكاميرا لا تلتقط النيات. انتخاب رئيس الجمهورية لم يكن مجرد عودة إلى الرئاسة والمرجعية والدستور، بل هو شكّل مع عودة الرئيس سعد الحريري إلى الصيغة، تصحيحاً للميزان الوطني العام، ولخلل الفراغ الذي ضرب جوهر الدولة ومعنى الوحدة، ووضع البلد على حافة تلك الحافات التي ترتعد من ظلالها.

كان كل ذلك يبدو مألوفاً، وأحياناً عادياً، في أزمان أقل اضطراباً وضراوة. لكن حرب الحقائب وسط هذه الحروب التي تحيط بنا، تجاوزت "اللبنانيات" المعهودة، وبدا الخطر في الأشياء المصنوعة في لبنان، أكبر من صناعات أو املاءات الخارج. وفيما يمر العالم والشعوب بتحولات هيكلية كبرى، نبدو غير مدركين، أو غير آبهين، للمتغيرات الجارفة التي تعصف بدول لها انعكاسات في الشرق والغرب، مثل طاحونة ترامب في الولايات المتحدة، وظهور فيون المفاجىء في فرنسا، وهزيمة الديغولي الأخير، ألان جوبيه.

النظام العالمي الذي كلف قيامه حربين عالميتين، يبدو في طريقه إلى الزوال، فيما تزحف مكانه فوضى دموية ساحقة. والظاهرة الأولى في التغيير، وانحسار، أو تواري، قوى الوسط سياسياً، والطبقات الوسطى اجتماعياً. لقد رأى بعض المفكرين أن العام 1946 هو العام الذي بدأ فيه تشكيل العالم الذي نحن فيه. ولا يصعب علينا ان نلاحظ انه ينقضي الآن نحو مجموعة عوالم مجهولة، اليسار المعتدل غائب فيها، واليمين المعتدل، ووسط الاثنين، فيما يكشف اليمين المتطرف عن لغته الفاشية ويضم الرئيس الاميركي إلى ادارته عسكريين تقاعدوا في السلك، ويأبون التقاعد من روحية الحرب والعدوانية المجنونة.

جاء الحكم وبقيت الحكومة. ولا دولة في غياب احدهما. والناس تنتظر عودتها في كل مكان. في الشوارع المدفونة بتلال القمامة. في الاجواء الملوثة بالامراض. في الطرق المزدحمة بالشلل والعطالة والتذمر. وفي بلاد "الكاوبوي"، بلاد "الوايلد وست"، حيث يخطف الآمنون في النهار وتدفع الفديات في النهار. ولا ينام الناس في الليل.

ما أن شعرنا بالاطمئنان إلى انتخاب الرئيس، وتكليف رئيس الوزراء، حتى قام من يقول لنا، مهلاً... مهلاً. لقد نسيتم القفل، حاولوا أن تبحثوا عنه. إنها اللعبة الجديدة pokemon . يكون حيث تعثر عليه. غالباً، غالباً، في مطبخ من المطابخ، أو تحت وسادة. لكن المأساة اعمق من أن تبقى في اطار الدواليب غير الباردة. فالحريق البارد اقسى من الحار وأمضى وأمرّ.

في هذه "الصناعة اللبنانية الخالصة" يريد اللبنانيون عودة شيء من الترفق بأحوالهم. وأحوالهم هي الأسوأ منذ نهاية الحرب. يريدون عودة قلب المدينة إلى قلب الوطن، وعودة السياسيين إلى قلوبهم، وعودة الأمان إلى اقتصاد مهدد وحركة يعلوها الصدأ وتغطيها العلاجات الموقتة.

أليس مذهلاً وغريباً أنه في هذه الحال من التفسخ والانهيار، لا تزال مؤسستا الجيش والمصرف المركزي تبدعان الاداء والحلول؟ ماذا يمنع عودة المؤسسات الأخرى إلى خدمة اللبنانيين؟ وعودة اصحاب "القمصان البيض"، أي البيروقراطيين الأكفياء الذين يشكلون عماد الدولة؟

ان تحييد لبنان من الخارج ليس هو المطلوب، لأنه مستحيل. المطلوب هو تحييده من الداخل، لأنه أكثر استحالة. المطلوب أن يعرف الناس كيف يتم التفوق على مأزق رئاسة الجمهورية والعبور إلى رئاسة الحكومة، ثم التزحلق وكسر الاضلاع فوق جلد الحقائب. اتركوا شيئاً منها لإضاءة البيوت وتنظيف الشوارع.

*نقلاً عن صحيفة "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.