فيون... هل يكون ترامب فرنسا؟

محمد الحدّاد

نشر في: آخر تحديث:

يبدو أن فوز دونالد ترامب في الانتخابات الأميركية لن يظلّ حدثاً معزولاً ومعطى أميركياً بحتاً. فبالنظر إلى أهمية الولايات المتحدة وسيطرتها العالمية، سيكون هذا الحدث بداية موجة «ترامبية» تُدخل النظام العالمي في مرحلة جديدة.

تأكيد هذا التوقع جاء من فرنسا. ظاهرياً، لا توحي الملامح الخارجية بوجود شبه. لقد دارت المواجهة بين مرشحي اليمين الفرنسي في مناخ يتّسم بالمبالغة في الهدوء والاحترام، وإذا كان السيد ترامب شخصاً مشاكساً وعنيفاً في أقواله وسلوكه، فإنّ السيد فرنسوا فيون هو مثال الفرنسي المهذب، المنتمي إلى أسرة عريقة ذات أصول أرستقراطية، وهو الذي أصبح رسمياً مرشح اليمين في الانتخابات الرئاسية المقبلة والشخص الذي تشير كل التوقعات ونتائج سبر الآراء حالياً إلى أنه سيفوز برئاسة الجمهورية الفرنسية.

أما من حيث البرامج، فإن التشابه كبير جداً بين الرجلين. لقد قدم فيون برنامجه الاقتصادي في بداية حملته الانتخابية، فلم يلق اهتماماً كبيراً من المحللين الذين كانوا يتوقعون انحصار السباق بين نيكولا ساركوزي وآلان جوبيه، لكن مراجعة هذا البرنامج اليوم تؤكد أنه يذهب بعيداً في الليبرالية القصوى، إلى درجة أنه يعد بمراجعة نظام الحماية الاجتماعية والصحية بفرنسا، مثلما يهدّد ترامب بمراجعة النظام الصحي الذي وضعه أوباما، مع فارق أنّ النظام الفرنسي يعود بجذوره الأولى إلى الثورة الفرنسية ويعتبر عادة أحد مكونات الهوية الفرنسية الحديثة.

وثمة إجراءات اقتصادية أخرى عرضها فيون في برنامجه ولم يجرؤ أحد قبله عليها في فرنسا، مثل الوعد بتسريح نصف مليون موظف في الدولة والمؤسسات العامة، ورفع ساعات العمل وسن التقاعد. وقد يكون الفارق هنا أن فرنسا فيها نقابات عمالية قوية يصعب أن تسمح بتمرير هذه الإجراءات، بيد أن المهم هنا رسم صورة التوجهات التي يمثلها الرئيس الفرنسي المقبل.

من المهم أيضاً أن نتابع توجهات فيون في موضوع آخر يتصل بالشرق الأوسط. لقد بادر في أيلول (سبتمبر) الماضي، إلى إصدار كتاب لم يكن مبرمجاً في حملته الانتخابية، وإنما فرضته العملية الإرهابية في مدينة نيس الصيف الماضي، وتنامي الجدل السياسي حول قضية الإرهاب والإسلام والهوية الفرنسية. وفي هذا الكتاب الذي يحمل عنوان «الانتصار على الشمولية الإسلامية»، يقدم فيون تصوراته ومقترحاته في مجال محاربة ما يعتبره العدوّ الأكبر، أي الإرهاب، ويؤكد أن العالم يعيش حرباً عالمية ثالثة بالمعنى الحقيقي للكلمة، ويتهم الاشتراكيين بأنهم «ميونيخيون»، بالإشارة إلى القادة الأوروبيين الذين كانوا قد وقعوا مع هتلر معاهدة ميونيخ وأطلقوا يده لاحتلال بولندا قبيل الحرب العالمية الثانية (ومنهم الاشتراكي الفرنسي غي مولييه). ويدعو فيون إلى خوض هذه الحرب من دون هوادة واتخاذ كل الإجراءات الضرورية للنصر فيها. ويرى، على غرار ترامب، أن الغرب مدعو للتحالف مع روسيا، مثلما تحالف في الحرب العالمية الثانية مع الاتحاد السوفياتي لمواجهة النازية، كما يرى وجوب مراجعة علاقات الغرب ببلدان الشرق الأوسط وإعادة رسمها، لا سيما إيران وبعض بلدان الخليج، من منظور هذا التحالف العالمي الجديد ضدّ الإرهاب. وبما أن القضية السورية هي حجر الرحى في هذا الموضوع، فإنه يدعو إلى تغير جذري في الموقف الغربي واعتبار «داعش» العدوّ الأكبر ومحاربته من دون هوادة، ولو كان ثمن هذا التغير بقاء الأسد في السلطة.

وفي سبيل تعزيز الأمن الفرنسي بخاصة، والأوروبي بعامة، يدعو فيون في هذا الكتاب إلى مراجعة نظام «شينغن» وإخراج البلدان الضعيفة منه، على غرار اليونان، وإرسال كتيبة عسكرية أوروبية مشتركة لحماية الحدود الخارجية المشتركة لأوروبا، الخ.

فيون ليس ترامب، لأنه لن يرأس أكبر وأقوى دولة في العالم، ولأن فرنسا دولة ذات مؤسسات ونقابات عمالية قوية، ورأي عام مسموع، فلن يكون يسيراً على أي كان، شخصاً أو حزباً، القيام بتغييرات جذرية في حياة الناس وعاداتهم، بما في ذلك مجال السياسة الخارجية. كما أن فيون ليست له الجرأة نفسها التي ميزت ترامب ومواقفه، ومن المرجح أنه سيكون أقل قدرة على تحويل مقترحاته النظرية إلى سياسة عملية.

فيون هو شيء من ترامب، ومن الثورة اليمينية التي تشتدّ وتتعاظم في الغرب، وستكون سنة 2017 سنتها المحورية، ففيها يتسلّم ترامب السلطة رسمياً، وخلالها تشهد فرنسا وألمانيا انتخابات مصيرية، وسيتغير بالتأكيد الكثير من المعطيات في الغرب وفي العالم، وتتأكد على الأرجح ثوابت هذه الثورة اليمينية وأهمها: الليبرالية الاقتصادية القصوى والحرب الشاملة ضدّ الإرهاب، فههنا تتحدّد أيضاً معالم النظام العالمي الجديد كما تسعى حالياً الى فرضه القوى النافذة.

*نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.