عاجل

البث المباشر

الثورة المحافظة مقبلة ومعها مفارقاتها

يعيش العالم أياماً صعبة محيّرة وغامضة. وهي كذلك في نظر المتابعين، ونحن منهم، لا لأنّها محفوفة أو واعدة أومهدّدة بأخطار متعددة الأشكال، بل لآنها تعضّ بأسنان قوية على الولاءات والاصطفافات المعهودة. فنحن نشهد منذ فترة وجيزة انفجاراً مشهدياً يعصف بمنظومات القراءة والتفكير المألوفين.

ولا يقتصر العصف على صورة السياسة وتمثيلاتها في الديموقراطيات الحديثة. ففي خلفية التغيير الموعود يتربّع تصور خلاصي عن المجتمع المهتدي إلى ترياق شفائه. تتوالد أمام أعيننا المشدودة إلى هذا الاستحقاق السياسي - الانتخابي أو ذاك، ظواهر صارخة بقدر ما تنم عن اضطراب كبير. الثورة المحافظة مقبلة. خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وفوز دونالد ترامب برئاسة الدولة الأعظم يتلاقى أو يتصادى مع ازدهار التيارات والأحزاب «الشعبوية» أو الموصوفة بالتطرّف في العديد من البلدان وخصوصاً في أوروبا.

سنضع جانباً فشل مراكز استطلاع الرأي العتيدة ووسائل الإعلام النافذة في توقع المفاجآت المتتالية، من «البريكزيت» إلى فوز ترامب في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري ومن ثم في الانتخابات الرئاسية، إلى اكتساح فرنسوا فيّون في فرنسا الانتخابات التمهيدية لأحزاب اليمين والوسط. وليس ضرباً من التنبؤ أو اصطياد السبق الإعلامي أن نقول، غداة الدورة الثانية من انتخابات اليمين والوسط التمهيدية في فرنسا، إن فيّون سيكون رئيس الجمهورية الفرنسية في أيار (مايو) المقبل. إلا إذا حصلت أعجوبة في أزمنتنا العجيبة. هذا ما يمكن استخلاصه من المعطيات المتوافرة حتى الآن.

وشاءت الأقدار، أو المصادفة إذا شئتم، أن يستقبل العالم دعاةً وافدين وملهمين لقيادة بلدان وازنة، كما هي حال أميركا وبريطانيا وفرنسا، وأن يودّع في الوقت ذاته زعيم الثورة الكوبية وأيقونة حركات التحرر الوطني ومناهضة الإمبريالية الأميركية في عز الحرب الباردة، أي فيديل كاسترو الراحل قبل أيام عن تسعين سنة سالت تحت جسورها مياه كثيرة ليست كلها صافية وليست كلها ملوّثة.

الصاعدون بطرق وأساليب مختلفة إلى قمة السلطة السياسية وإلى قلب المشهد العولمي وعدوا ناخبيهم بثورة محافظة وهادئة تعيد الاعتبار لقيم ومؤسسات المجتمع التقليدي وشعائره ورموزه. وهم يعدون أنصارهم وناخبيهم بإحداث انقلاب في المعادلات السائدة منذ عقود. صحيح أنهم قادمون من قلب النخب السياسية والإدارية السائدة لكنهم بنوا رصيدهم على ادعاء التمرد على المؤسسة المســيطرة وأجهزتها المعهودة، أي «الاستابليشمنت». على طول خطّ الصعود الحافل بخطابة ايديولوجية صاخبة نقع على ما اعتدنا أن نعتبره مفارقة كبيرة. بل حتى يمكننا أن نتحدث عن مفارقات في كل تعبير مفصلي أو تحريضي أو برنامجي يســتخدمونه لمـــخاطبة الفئات العريضة التي يزعمون تحريرها من القيود المفروضــة. وهم يحرصون على تقديم وصفتهم في صورة خطة أو برنامج مدروس بدقة ودراية علميين للخلاص من الدونية القيمية والثقافية القاضية عليهم بالهامشية والإقصاء والاحتجاب. سنسارع إلى القول إنّ إطلاق الصفة الشعبوية، وأحياناً كيفما اتفق، على هذه الظواهر المستجدة قد لا يكون دقيقاً وإن كان مريحاً لضمائر القلقين بحق من تعاظم الظاهرة. والحق أن استسهال استخدام الصفة الشعبوية يعبر في العديد من الحالات عن نزوع نخبوي إلى تبديد الحيرة التي تبعث عليها ظواهر جديدة ناشئة ومتنامية هنا وهناك.

إذا كان القاسم المشترك بين التعبيرات المستجدة عن التململ والغضب والقرف من النخب السياسية هو المزاوجة بين التمرد والمحافظة، فإنّ هذه التعبيرات تتلوّن بألوان التاريخ الوطني لكل بلد وتتأثر بأثقال المؤسسات الاجتماعية العريقة التي تشكل مادة اللحمة ورافعة الهوية الثقافية لما يطلق عليه توصيف البلد أو المجتمع العميق. ليس صعباً أن نجد في استعراضية ترامب الصاخبة والمعتدة بنفسها صورة المقاول العقاري الناجح والكاوبوي الطامح إلى الاقتصاص بيده، وليس بيد الدولة المحتكرة للعنف الشرعي، ممن ينعتهم بشذاذ الآفاق والمنافقين المتواطئين حرصاً على مصالحهم ومكانتهم. وهو يعلم أن هذه الصورة باتت مطلوبة لدى شرائح واسعة من ضحايا العولمة وجشعها المالي، ليس فقط في أوساط المفقرين والملفوظين خارج سوق العمل والحياة اللائقة، بل كذلك في أوساط الناخبين البيض وطبقتهم الوسطى وفئاتها المترددة بين الصعود والهبوط. وهو لا يخفي تطلعه إلى إحياء التراتبية السابقة بين مكونات المجتمع معتبراً أن هذه التراتبية هي الحاضنة الأمثل للهوية الوطنية.

حالة المرشح الفرنسي الأوفر حظاً للرئاسة بعد أشهر، أي فرنسوا فيون، تبعث على حيرة أكبر. فهو أطاح بطريقة غير متوقعة فحلين من فحول حزب الجمهوريين اليميني هما أبرز المتنافسين على إرث الديغولية العتيد أي «الشعشعاني» نيكولا ساركوزي والمخضرم ألان جوبيه.

فالرجل الخجول والرصين والمتحفظ على اعتبار السياسة رقصة أضواء استعراضية كان يبدو لفرنسيين كثر من النوع الذي يسهل استتباعه بل حتى سحقه. الثورة المحافظة التي يعد بتحقيقها وتنفيذ برنامجها هي أيضاً على صورته وصورة الناخب الذي اقترع لمصلحة فيّون. المعطيات السوســيولوجية تقول إن نصف ناخبي فيون هم من الكــهول والمتقاعدين إضافة إلى أصحاب شركات صغيرة وفئات تقليدية غير فقيرة في الأرياف والمناطق. وهؤلاء كلهم من الميــــسورين عموماً. الناخب النموذجي المتــحـــمس لبرنامج فيون هو الناخب الأبيض الكاثوليكي التقليدي المتمــسك بقيم العائلة والأخلاق الاجتماعية الصارمة. لقد قيل بحق إن الحراك الذي قاده اليمين التقليدي والجمعيات الكاثوليكية والذي حمل شعار «التظاهر للجميع» رداً على تشريعات حكومة الحزب الاشتراكي المعروفة بـ «الزواج للجميع» أي للمثليين جنسياً، هذا الحراك هو المدماك الأكبر في مشروع فيون لإعادة بناء الهوية الفرنسية.

برنامـــج فــيون ليـــبرالي جداً من تحت ومحافظ جداً من فــوق. هذه الخــلطة العجــيبة ليست جديدة. فهي بدأت مع ثاتشــر وريغان قبل أربعة عقود وضخ فيها المحــافظون الجدد الكثير من المصل الإيديولوجي. على أن إعجاب الرجل المعلن بتجربة ثاتشــــر وشخصيتها لا يمنع من أن تكون صفة المحافظة عرضة للالتبــاس واهــتزاز الدلالة. فالكـــلمة لا تعني الشيء ذاته في بريطانيا وفي فرنسا. كما أن المفاهيم الأخرى المتصلة بها مثل العلمانية والدنيانية لا تحظى بمعنى واحد. تحتاج الخلطة إلى تـــسويق إيديولوجي غير مسبوق. «لا يمكن تحقيق انتصار انتخابي من دون انتصار إيديولوجي». العبارة التي كررها فيون هي لغرامشي. وهذه مفارقة أخرى.

*نقلا عن "الحياة"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات