كيف تدير مسؤولك؟!

محمد النغيمش

نشر في: آخر تحديث:

هناك مصطلح شهير في أدبيات الإدارة يطلق عليه managing up وهي مجموعة صفات يتحلى فيها بعض الموظفين تجعلهم يحسنون كيف يديرون بهمتهم ونشاطهم وتفانيهم مديرهم.

وواقع الحال يشهد أن العديد ممن تبوأوا أعلى المناصب الإدارية، لم يكن بالضرورة بسبب إمكاناتهم الإدارية والفنية، ولكن لحسن إدارة علاقاتهم مع من يعلونهم في السلم الوظيفي.

فتجد منهم من يتحلون بالكياسة والأدب الجم معه وسرعة البديهة في فهم مراد مسؤولهم المباشر من خلال نبرة صوته وإيماءاته فيسارعون إلى تحقيق المطلوب على أكمل وجه. لذا يصعب أن يفرط المسؤول في هؤلاء لأنه ببساطة سرعان ما يفتقدهم إن هم غابوا عن العمل لسويعات معدودة.

هذا الأسلوب الذكي في حسن إدارة المسؤولين يرتكز على سلوكنا الإيجابي معهم. وربما يصل البعض إلى هذه العلاقة الوطيدة مع المسؤولين عبر طرق وضيعة مثل التزلف أو التملق الممجوجين، وليس هذا المقصود بل المقصد محاولة المرء فهم شخصية مديره جيدا من خلال إمعان النظر في مراقبة كل حركاته وسكناته وطريقة تعامله مع الناس في شتى المواقف، ويبني تعامله معه على أساسها.

ومن الخطأ الفادح معاملة كل المسؤولين بطريقة واحدة، وأكاد أجزم أن أكثر من يدخلنا في صراعات نحن في غنى عنها، هو إصرارنا على معاملة كل المديرين بمسطرة واحدة، ناسين أنهم بشر وليسوا آلات خرجت من مصنع واحد! كما أن كل مدير جاء من بيئة مختلفة عن غيره.

وَمِمَّا يكسب به ود المدير بناء الثقة وهذه لا تأتي من لسان يقطر شهدا، ولكن عبر الأفعال والإنجازات المتراكمة التي يشار إليها بالبنان، حتى وإن كانت عبر فريق عمل نقوده.

غير أن أخطاء الموظف إن كثرت بسبب تقاعسه أو إهماله فإنها ستنتقص من رصيد الثقة الذي منحه إياه مديره. فيبدأ المدير بالتشمير عن ساعديه والدخول في كل صغيرة وكبيرة لسبب بسيط وهو أنه لم يعد يثق في هذا المرؤوس الذي كثرت أخطاؤه ناهيك عن عدم مبالاته. وقد يزداد الأمر سوءا بسحب بعض الصلاحيات منه.

ومن الحصافة ألا يترك الموظفون مديرهم مضطرا إلى متابعتهم في كل شاردة وواردة، بل يبادرون هم في سرعة إنجاز الأعمال وتقديم تقرير دوري شفهي أو مكتوب للمدير ليكون على بينة. فهؤلاء المميزون لديهم بوصلة داخلية ترشدهم إلى التفريق بين الأعمال الروتينية التقليدية وبين الأعمال المهمة أو العاجلة بالنسبة للمدير، فلا يخلطون الأولويات.

على سبيل المثال، العمل الذي يكلف به الموظف ويكون قادما أصلا من الإدارة العليا إلى المدير، يحاول الموظف الذكي أن يمنحه جلّ تركيزه حتى لا يخرج العمل منقوصا فيُحرج المدير أمام الإدارة العليا.

ومن الحكمة تحاشي ما ينغص المدير مزاجه حتى ولو لم يكن الموظفون مقتنعين بذلك. فبعض المديرين لسبب أو لآخر تشغله الصغائر على الكبائر كأن يعتبر مسألة الحضور والانصراف المبكر ذات أهمية كبرى، فيحرص على متابعتها.

وربما ينزعج بعض القياديين من المبالغة في الأحاديث الجانبية في أروقة العمل أو الصوت العالي أو كثرة الاستئذان وغيرها. هنا لا يملك الناس سوى الإذعان للأمر رغم تفاهته مقابل التركيز على الإنتاجية والتفاني بالعمل.

إن حُسن إدارة علاقاتنا مع القياديين أمر مهم يتوقف عليه مستقبلنا في المؤسسة التي نعمل بها. وهذه الحقيقة أدركها من حَسَّنوا علاقاتهم مع مسؤوليهم بجدهم واجتهادهم فمسحوا مشاهد التقصير من ذاكرة المدير. والأهم أنهم فهموا ما يحب وما يكره تحاشيا لشر المواجهة واستبدالها بالتركيز على الإنجاز. وهذه العلاقة المهنية في «إدارة الموظف لمديره» لا تعني بأي حال من الأحوال الدعوة للنفاق الإداري البغيض.

*نقلاً عن "البيان" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.