سوق ‬تعرية ‬إيران

عبد الله بن بجاد العتيبي

نشر في: آخر تحديث:

في‎ ‬سوق ‬السياسة –‬كما ‬في ‬أي ‬سوقٍ-مواسم ‬للربح ‬ومواسم ‬للخسارة، ‬والمتغيرات ‬المتوالية ‬تقول ‬إن ‬موسم ‬إيران ‬في ‬سوق ‬السياسة ‬يتجه ‬لخسائر ‬متعددة، ‬ويمكن ‬بناء ‬على ‬ذلك ‬رسم ‬استراتيجياتٍ ‬جديدةٍ ‬ومتكاملة ‬تستجيب ‬للتغيرات ‬الدولية ‬وتسعى ‬لتحجيم ‬إيران ‬وإعادتها ‬لوضعها ‬الطبيعي. الاستراتيجيات‎ ‬هي ‬أشبه ‬ما ‬تكون ‬بالكائن ‬الحي، ‬فهي ‬تنمو ‬وتتطوّر، ‬كما ‬تهرم ‬وتمرض، ‬وتموت ‬في ‬بعض ‬الأحيان، ‬وهي ‬فعل ‬دائم ‬التشكل ‬والتطور. يدفع‎ ‬مجموع ‬المعطيات ‬الحالية ‬باتجاه ‬واحد ‬هو ‬التغيير ‬القادم، ‬فسيتم ‬قريباً ‬إعادة ‬رسمٍ ‬للتوازنات ‬الدولية ‬والصراعات ‬الإقليمية، ‬وستخرج ‬عن ‬ذلك ‬آثار ‬وتأثيراتٌ ‬لم ‬يتنبأ ‬بها ‬أحدٌ، ‬ما ‬يعني ‬أن ‬ثمة ‬تشكلات ‬جديدة ‬للاستراتيجيات ‬الدولية ‬والإقليمية.

جزء‎ ‬مهم ‬من ‬بناء ‬الاستراتيجيات ‬يكمن ‬في ‬الفهم ‬والاستيعاب ‬المنظم ‬لما ‬يمكن ‬من ‬العناصر ‬التفصيلية ‬ومن ‬ثم ‬الخروج ‬بنتائج ‬كلية ‬متماسكة ‬وهذا ‬سبيله ‬العلم ‬والمعرفة ‬والإحصاءات ‬والأرقام، ‬ويبنى ‬عليه ‬صلابة ‬الوعي ‬وحدة ‬الرؤية ‬وهو ‬أمر ‬سقفه ‬رفعة ‬الطموح ‬وتعالي ‬الأمل، ‬وهو ‬ما ‬يستخلص ‬منه ‬عماد ‬الأهداف ‬المحددة ‬والغايات ‬المرجوة ‬في ‬الحاضر ‬والواقع ‬لدعم ‬القوة ‬والتأثير ‬والفاعلية.

إن‎ ‬الاستراتيجيات ‬المكتملة ‬العناصر، ‬واعية ‬كانت ‬أم ‬غير ‬واعية، ‬قادرة ‬على ‬تغيير ‬مسار ‬التاريخ، ‬بل ‬هي ‬التي ‬ترسمه ‬سواء ‬كانت ‬من ‬أفراد ‬أو ‬مجموعات ‬أو ‬دول، ‬وأحداث ‬التاريخ ‬خير ‬شاهد ‬على ‬طول ‬الزمان ‬والمكان، ‬يسميها ‬الناجح ‬رؤية ‬ويسميها ‬الفاشل ‬مؤامرة.

عوداً‎ ‬على ‬بدء، ‬فإيران ‬تعيش ‬اليوم ‬لحظة ‬تاريخية ‬تتجه ‬فيها ‬للخسارة ‬بعد ‬أرباحٍ ‬ساعدها ‬عليها ‬غيرها ‬من ‬أميركا ‬إلى ‬روسيا، ‬ويجب ‬لإعادة ‬التوازن ‬في ‬المنطقة ‬أن ‬تعود ‬مرة ‬أخرى ‬لتجرع ‬سم ‬الخسارة، ‬ويمكن ‬فعل ‬ذلك ‬على ‬عدة ‬مستوياتٍ ‬منها: ‬المستوى ‬الدولي، ‬المستوى ‬الإقليمي، ‬المستوى ‬الهوياتي، ‬المستوى ‬الإنساني.

دولياً، ‬فبعد ‬سنوات ‬من ‬محاولات ‬إدارة ‬الرئيس ‬أوباما ‬للتقارب ‬مع ‬إيران، ‬توحي ‬الإدارة ‬الجديدة ‬للرئيس ‬دونالد ‬ترامب ‬بوعي ‬أكبر ‬وفهم ‬أدق ‬للنظام ‬الإيراني، ‬كما ‬توحي ‬التعيينات ‬الجديدة ‬باتجاه ‬نحو ‬مواجهة ‬إيران ‬لا ‬التصالح ‬معها.

إقليمياً، ‬فالأزمة ‬السورية، ‬وفيها ‬شركاء ‬متشاكسون، ‬دولياً ‬وإقليمياً، ‬ولكنها ‬ستتجه ‬لخسائر ‬لإيران، ‬بناء ‬على ‬تفاهماتٍ ‬دوليةٍ ‬وإقليميةٍ ‬سيتم ‬بناؤها ‬قريباً، ‬وهو ‬ما ‬يحاول ‬النظام ‬السوري ‬وإيران ‬وروسيا ‬الانتهاء ‬منه ‬لاستباق ‬الأحداث، ‬ومن ‬هنا ‬تأتي ‬الجرائم ‬الدولية ‬الشرسة ‬بحق ‬حلب.

«هوياتياً»، ‬إيران ‬دولة ‬طائفية ‬بامتياز ‬بحكم ‬دستورها ‬وبحكم ‬سياساتها، ‬وهي ‬تبنت ‬على ‬مراحل ‬نشر ‬الصراعات ‬الطائفية ‬كسلاحٍ ‬سياسيٍ، ‬ورعت ‬كافة ‬أنواع ‬الميليشيات ‬وتحالفات ‬مع ‬الأصوليات ‬الحديثة، ‬ودعمت ‬تنظيمات ‬الإرهاب. ‬وحوّلت ‬بوعي ‬الأقليات ‬التابعة ‬لها ‬إلى ‬أقليات ‬متوحشة ‬في ‬العراق ‬وسوريا ‬ولبنان ‬واليمن، ‬وسعت ‬لاستهداف ‬الأقليات ‬المسالمة ‬وتحويلهم ‬لضحايا، ‬كالأزيديين ‬والمسيحيين ‬وغيرهم.

إنسانياً، ‬فقد ‬كسبت ‬إيران ‬كثيراً ‬عبر ‬تبني ‬الإرهاب، ‬كسبت ‬في ‬العراق ‬ولبنان، ‬وأفغانستان، ‬واليمن ‬وسوريا، ‬وهي ‬تسعى ‬لكسب ‬المزيد ‬عبر ‬خلايا ‬التجسس ‬والإرهاب، ‬وكانت ‬معادلتها ‬الدائمة ‬تقوم ‬على ‬قاعدة «‬الإرهاب ‬يحولك ‬إلى ‬لاعب ‬دولي»‬ وسيكون ‬على ‬داعميها ‬الغربيين ‬من ‬وسائل ‬إعلامية ‬وحقوقية ‬أن ‬يعترفوا ‬بالتضليل ‬الذي ‬اتبعوه ‬في ‬الفترة ‬الماضية.

ومن‎ ‬ضمن ‬ما ‬يمكن ‬فعله ‬العمل ‬إعلامياً ‬وثقافياً ‬وفنياً ‬وغيرها ‬بمعنى ‬استخدام ‬القوة ‬الناعمة ‬في ‬فضح ‬الوجه ‬الحقيقي ‬لقساوة ‬وعنف ‬النظام ‬الإيراني، ‬مع ‬التأكيد ‬الدائم ‬على ‬التفريق ‬بين ‬إيران ‬النظام ‬وإيران ‬الشعب، ‬وكذلك ‬إبراز ‬السياسة ‬التوسعية ‬لإيران.

المرشد ‬الإيراني، ‬هو ‬مرشد ‬أصولي ‬وديكتاتور ‬ينتمي ‬للقرون ‬الوسطى ‬المظلمة، ‬كما ‬أن ‬الحرس ‬الثوري ‬يمثل ‬المنظمة ‬الإرهابية ‬الرسمية ‬للدولة ‬الإيرانية، ‬وما ‬يخصه ‬من ‬استثمارات ‬ضخمة ‬وميليشيات ‬شيعية ‬وتنظيمات ‬أصولية ‬سُنية ‬ك«الإخوان» ‬و«حماس» ‬ونحوهما، ‬وتنظيمات ‬إرهابية ‬سُنية ‬ك«القاعدة» ‬و«داعش» ‬كلها ‬تصب ‬في ‬نشر ‬خلايا ‬الإرهاب ‬والتجسس ‬في ‬دول ‬الخليج ‬كمثال، ‬الكويت ‬وخلية ‬العبدلي، ‬البحرين ‬وعدد ‬من ‬الخلايا، ‬السعودية ‬وآخر ‬الخلايا ‬الخلية ‬التي ‬تم ‬الحكم ‬عليها ‬هذا ‬الأسبوع ‬بأحكام ‬تفاوتت ‬بين ‬القتل ‬والسجن ‬والبراءة.

أخيراً، ‬فإيران ‬عاجزة ‬عن ‬التغيير، ‬بحكم ‬أيديولوجيتها، ‬وبحكم ‬تركيبة ‬نظامها، ‬وبحكم ‬هرم ‬قيادتها، ‬وبحكم ‬تجربتها ‬الرافضة ‬للتغيير.

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.